بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
ابتلى الله تعالى الإنسان بعقله كما ابتلاه بنفسه. وعقل الإنسان ابتلاء لأنه إن لم يُستعمل بما خُلق ليعمل به، كان هذا العقل وبالاً على صاحبه. فالعقل لم يخلقه الله تعالى ليُعين صاحبه على إمعان الخضوع لنفسه والنأي بالتالي والابتعاد عن نور الله تعالى إلى دياجير الظلمات! والعقل لم يبتلَ به الإنسان إلا ليميز اللهُ تعالى به الخبيث من الطيب من بني آدم. فغالبية البشر تستسهل ما يستسيغه هذا العقل من إطاعةٍ مثلى لما تريده النفس وما يأمر به هواها، ولذلك تراهم بعيدين أشد البعد عن تسخير هذا العقل وتوظيفه فيما يعود على صاحبه بكل ما يجعل منه يتقن العبودية لله تعالى التي ما خُلق إلا ليتحلى بها فيكون له بالتالي ما كان لمن وصف الله تعالى الواحد منهم في قرآنه العظيم بأنه “نِعم العبد”. فقد يظن عُبَّاد العقل ومؤلِّهوه أنهم بتسليمهم هذا العقل إلى خالقه فإنهم إنما يتنازلون عما كان ليجعل الواحد منهم عظيمَ قومه أو حتى عظيم جنسه! ولكن يكفينا أن نعود إلى قرآن الله العظيم لننظر بأعيننا فنرى ما كان عليه نِعم العبد سيدنا سليمان عليه السلام من نعماء جعلت حياته ملأى بعجائب وغرائب يعجز أخصب بني آدم خيالاً عن أن يكون بمقدوره أن يتخيَّلها. فيكفينا أن نستذكر بعضاً من مفردات هذه الحياة العجائبية الغرائبية كما وثقتها آياتٌ كريمة من قرآن الله العظيم: (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ. وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ. حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ. فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ) (16- 19 النمل)، (قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ. قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ. قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيم) (38 -40 النمل)، (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ. وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاص. وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ. هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَاب) (36 -39 ص)، (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ. يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) (12 -13 سبأ).
إذاً فللعقل أن ينشغل بتوفير كل ما من شأنه أن يُعين الإنسان على أن يسير على خطى مَن امتدح واحدَهم اللهُ تعالى بأنه “نِعم العبد”. ولكن ليس للعقل أن ينشغل فيما لا يعنيه فيكون له بالتالي أن ينأى بصاحبه عن كل ما من شأنه أن يجعل منه الإنسان الكامل الذي خُلق ليكونه، حتى ولو كان في انشغال العقل بما لم يُخلق لينشغل به ما يجعل من صاحبه يعظم شأنُه في نظره وفي نظر الآخرين، فيكون فذلكاً عبقرياً وهو في نظر الله تعالى أضلُّ من الأنعام سبيلاً!
