خِلقة أحسن تقويم برهان القدير العليم

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ

تحدثت في منشورات سابقة عن أن خلقة أحسن تقويم لا يمكن على الإطلاق أن تكون مقصورةً على الإنسان الذي شرَّفه الله بها إلى حين، وذلك قبل أن يردَّه تعالى أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات من بَنيه (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ. وَطُورِ سِينِين. وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ. لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ. ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) (1 -6 التين). ولقد استشهدتُ بآيتين كريمتين من القرآن العظيم يُبيِّن تدبُّرهما ما انطوى عليه هذا الوجود من خلق الله تعالى له، بكل ما فيه، في أحسن تقويم (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) (من 7 السجدة)، (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) (من 88 النمل).

ونحن إذا ما تدبَّرنا ما حولنا من موجودات هذا الوجود، جماداً ونباتاً وحيواناً، فلن يكون بالعسير علينا أن نتبيَّن أن الله تعالى قد خلق كل شيء في أحسن تقويم. فخِلقة أحسن تقويم لا ينبغي ألا نقدرها حق قدرها فنظن ونتوهم أنها خِلقة المادة الحية لا غير؛ فحتى جماد هذا الوجود قد خُلق في أحسن تقويم. فلكأن الله خلق هذا الوجود في أحسن تقويم ليضطر عقل الإنسان إلى وجوب الإقرار بأنه تعالى هو خالق هذا الوجود. فلو أننا ذهبنا مذهب الخطاب العلمي المعاصر، وقلنا بما يقول به هذا الخطاب من أن الوجود قد انبثق عن العدم لا بقدرة قادر ولكن بقوة الانفجار العظيم The Big Bang، فإن مذهبنا هذا لا يُحتِّم ضرورة أن تكون موجودات هذا الوجود في أحسن تقويم. فالوجود، كما يتصوره الخطاب العلمي المعاصر، يحتمل “النقص” و”اللاكمال”، وذلك كما تقضي بذلك نظريات هذا الخطاب. إلا أن الوجود، كما بوسعنا أن نتدبَّره، عاجزٌ عن أن يقدِّم لنا غير موجوداته التي يتميَّز كل منها بخلقةٍ لا تحتمل هذا النقص وهذا اللاكمال”! إذاً فكون الوجود في أحسن تقويم هو البرهان على أن مَن كوَّنه على هذه الشاكلة لابد وأن يكون متصفاً بالقدرة المطلقة والعلم الشامل. ونحن لن نذهب بعيداً إذا ما قلنا بأن هذه القدرة المطلقة، كما هو هذا العلم الشامل، هما مما وصف اللهُ تعالى به نفسه في قرآنه العظيم، فيكون لنا بذلك أن نقول دون أي تردد إن مَن خلق الوجود بكل ما فيه في أحسن تقويم، لابد وأن يكون هو الله القدير العليم.

أضف تعليق