بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

يظن الإنسان ويتوهم أن لديه عقلاً يتمكن بواسطته من معرفة الأمور ظواهرَ وبواطن. ولقد نجم عن هذا الاعتقاد الخاطئ ما جعل من الإنسان يبتعد عن نور الله تعالى دون أن يعِنَّ له أن ابتعاده هذا عن الله تعالى قد جعل منه يألف الظلمات فلا يستشعر ثقلها البتة! ولقد عادَ على الإنسان حُسن ظنه هذا بعقله أن أصبح عاجزاً عن أن يقارب ما يحدث في الوجود من حوله مقاربةً تجعله يحيط علماً بأحداثه وظواهره، وبما يمكِّنه من الوقوع على أسباب حدوثها دون أن تخالط هذه المقاربة الظنون والأوهام! فيكفينا أن نستذكر عجز عقل الإنسان عن أن يكشف له النقاب عن العلة من وراء إقباله على تناول الطعام. فالإنسان يأكل لأنه يجد لذة في الأكل، وهو لذلك يعتقد أن هذا هو كل ما في الأمر! وهذا ما جعل منه يصر على أن لا يكون طعامه إلا متلوناً صنوفاً شتى. ولذلك تراه يمل بسرعة من هذا الطبق ليُقبل على آخر قبل أن يمله هو الآخر! فلو كان عقل الإنسان يمده بما هو حقيقي بخصوص أحداث الوجود، أما كان هذا العقل ليكشف للإنسان العلة من وراء هذا الإقبال منه على تناول الطعام، فيخبره بأن الأمر كله لا صلة له إلا بما يحتاج إليه جسمه كيما يتمكن من العيش؟! والأمر ذاته هو ما نحن واجدوه إذا ما أردنا أن نستعين بالعقل لنستكنه العلة من وراء شغف الإنسان بالجنس. فهذا العقل يوافق صاحبه فيما يذهب إليه من أن الجنس ما خلقه الله تعالى إلا ليجعل الإنسان يستمتع بلذائذه! ولو كان العقل هو كما يزعم مؤلِّهوه وعُبَّاده، لهدى الإنسان إلى الوقوع على حقيقة الأمر ولكان هذا الإنسان قد أيقن ألا علاقة لهذا الإقبال منه على المزيد والمزيد من الجنس بالحصول على اللذة قدر ما هو متعلِّق بانتشار النوع، وذلك كما سبق وأن قضت بذلك قوانين الطبيعة التي خلقها الله تعالى ليضمن بها هذا الانتشار!
إذاً فكيف يأمن الإنسان أن يستشير هذا العقل في قضايا هي أبعد ما تكون عن واقعه فيأنس إلى ما يهديه إليه عقله هذا من حكمٍ يقطع بأن لا وجود لها طالما لم تكن معقولةً لديه؟! والله إني لأعجب لمن اعتمد العقل مرشداً يستهديه إلى عوالم ما خُلق هذا العقل ليهتدي إليها وحده! والأنكى من ذلك أنك مضطر لأن يجادلك مَن اعتمد عقله ليبرهن على انتفاء وجود الله تعالى، ونسي أن عقله هذا قد سبق وأن أضلَّه يوم أخبره بأنه لا يأكل الطعام إلا تلذذاً به، ولا يمارس الجنس إلا لذةً!
