ألف باء العلم الجديد

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

أعوذ بالله من الشيطان الرجيمنخطئ إذ نظن أن ما بين يدَي إنسان هذا العصر من علم هو العلم الذي ليس بالإمكان الوقوع على غيره، وذلك توهماً منا بأن  “ليس في الإمكان أبدع مما كان”! فالعلم الذي بين أيدينا نتاج عقولٍ جبارة يخطئ مَن يظن أنها ليست كذلك. غير أن هذه العقول، على الرغم من شديد عبقريتها، تبقى أسيرة سياقات معرفية ومحدِّدات فكرية لا سبيل لتجاوزها. وهذا ينعكس بالضرورة على ما بمقدور هذه العقول أن تحيط به من علمٍ بهذا الوجود وموجوداته. وإذا كان الجاهل منا هو من لا يقدر العلم الذي بين أيدينا حق قدره، فإن من يظن ألا علمَ هناك غير ما بوسع عقل إنسان هذا الزمان الإحاطة به جاهل هو الآخر. وهذا “العلم الآخر” ليس باليسير الوصول إليه إلا من بعد استيفاء الشروط التي لا وصول إليه بغيرها. فالعلم الآخر هذا هو علمٌ جديد بالتمام والكلية. وما ذلك إلا لأنه علمٌ بالوجود وموجوداته على ما هي عليه حقاً وحقيقة، وليس علماً بها كما يكشفه الواقع الذي تتجلى به للإنسان وأجهزته. ولنا أن نتصور ما يمكن أن نصل إليه من تقدم ورقي بتجلِّي الوجود وموجوداته لنا على ما هي عليه حقيقة لا كما هي عليه واقعاً. فكل ما بين أيدينا من حضارة هذا العصر هو نتاج العلم بالأشياء على ما هي عليه واقعاً. ولاشك أن بسم الله الرحمن الرحيمهناك حضارةً جديدة بانتظارنا إذا ما نحن تمكَّنا من معرفة الأشياء على ما هي عليه حقيقةً لا واقعاً. وقد يبدو هذا الكلام ضرباً من الخيال، وذلك لأننا ألفنا هذا الواقع وما عرفنا غيره، وكان لنا أن تصل بنا معرفتنا بهذا الواقع إلى ما وصلنا إليه من حضارةٍ وتقنيات. إلا أن القرآن العظيم قد أنبأنا بأن هناك عالماً آخر غير هذا الواقع بالإمكان أن ينجم عن تفاعلنا المعرفي معه ما يجعل من حضارتنا الحالية هذه تبدو بالمقارنة معها وكأنها حضارة العصر الحجري! فيكفينا أن نستذكر ما كان من أمر سيدنا سليمان عليه السلام والذي عنده علمٌ من الكتاب، وكيف استطاع هذا العبد الصالح أن يجيأه بعرش الملكة من اليمن إلى فلسطين قبل أن يرتد إليه طرفه (قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ. قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ. قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ) (38 -40 النمل).

والسبيل إلى هذا العلم الجديد مشروطٌ بأن تكون خطوتك الأولى عليه بأن تلزم “ألف بائه”. وألف باء العلم الجديد هي أن تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وأن تُتبع ذلك بـ “بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم”. وقد تقول إن هذا هو عين ما تفعله كل يوم، فأقول لك إن الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم ينبغي أن تكون بإيقانٍ تام بأنك إن لم يعذك اللهُ تعالى من الشيطان الرجيم فلن تكون أبداً من المهتدين، وأن يكون ما تعنيه  بـ “بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم”، هو ما كان سيدنا سليمان عليه السلام يعنيه عندما استهل كتابة إلى الملكة بـ “بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم”: (اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ. قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ. إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم) (28 -30 النمل).

إذاً فإن ألف العلم الجديد هي ألف “أعوذ بالله من الشيطان الرجيم”، وباء العلم الجديد هي باء “بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم”.

أضف تعليق