بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
بدايةً لابد لي من أن أشير إلى أن “الخرافة”، التي يظن الكثير منا أنها كلمةٌ مرادفةٌ لكل ما لا وجود له، هي في حقيقة الأمر تعني خلاف ما يُظن بها ويُتوهم! فالتأثيل اللغوي لهذه الكلمة يعود بنا إلى جاهلية العرب الأولى حيث كان هناك رجلٌ يُدعى “خرافة” فاجأ قومه يوماً بحديثٍ عن الجن الذين كان له معهم لقاء عادَ من بعده ليحادث قومه عنه. ولقد شاع في عرب الجاهلية الأولى بعدها أن يصفوا أي حديث غير معقول بأنه “حديث خرافة”. ولأننا لا نملك ما يؤكد أو يدحض حديث خرافة عن الجن الذين يزعم انه التقاهم، فإن هذا الأمر لابد وأن يكون حاضراً في الذهن وأنا أتحدث عن خرافة الليبرالية، وبالمعنى الذي لا يمكن لهذه الليبرالية أن تكون كـ “حديث خرافة” الذي يحتمل الصدق والكذب. فالليبرالية عندي هي خرافة بالمعنى الذي اصطلحنا عليه بعد هذه الآلاف من السنين على أول ظهور للخرافة بـ “حديث خرافة”! أي أن الليبرالية هي لا أكثر من أراجيف وأباطيل يُراد لنا أن نحلها محل ما تواضعنا على الاعتقاد به من دينٍ وأعراف بحجة أنها تمثل الفكر المتحرر من كل ما يقيِّده من محدِّدات تتنافى وطبيعة عقل الإنسان الذي لا ينبغي أن يُحدَّد له ما لا يجوز له أن يتعامل معرفياً معه. وهكذا فإن الليبرالية تقتضي أن لا يكون للدين الإلهي أية سلطة على عقل الإنسان طالما كان هذا الدين يقتضي أن لا يُعمل الإنسان عقله في حيثياته بالتساؤل والتحري، فيكتفي بتقبُّل ما جاءه به هذا الدين. والعجيب أن هذه الليبرالية، التي تزعم أنها تدعوك لتحرر عقلك من محدِّدات الدين الإلهي، تفرض عليك محدِّداتها هي لتستعيض بها عن محدِّدات الدين! فكيف تريدك الليبرالية أن تعمل على تحرير عقلك من أية محدِّدات خلا تلك التي لا قيام لها إلا بها؟! فالليبرالية الحقة تعني أن يكون عقلك متحرراً من أية محدِّدات وضوابط فلا يُلزم نفسه بما يحول بينه وبين “الأفكار الليبرالية” ذاتها! فلكأن هذه الليبرالية تريدنا أن نستعيض بها عن دين الله تعالى بحجة تحرير العقل من محدِّدات التفكير! ثم أن الليبرالية، بدعوتها لتحرير العقل من ضوابط الدين الإلهي، قد فاتها أن هذا العقل لا يمكن على الإطلاق الركون إليه في مسائل من بينها: وجود الله تعالى. فالعقل حيال هكذا مسائل لا يمكن إلا أن يكون حيادياً غير قادر على نفي أو إثبات وجودها.
إذاً فليس لليبرالية أن تطالبك بتحرير عقلك من محدِّدات الدين الإلهي، طالما استحال على عقلك أن ينفي وجود الله تعالى. فالليبرالية كان عليها ألا تسمح لنفسها بأن تُعمل أدواتها المعرفية فيما يتجاوز مدى تأثيرها الذي لا يمكن بحال أن يتجاوز حدود ما هو “معقول” ليتعداه إلى ما لا قدرةَ للعقل على التعامل المعرفي معه. فما لليبرالية ولهكذا مواضيع هي بحكم التعريف لا يمكن للعقل ، ليبرالياً كان أم غير ليبرالي، أن يتعامل معرفياً معها؟! لقد كان الأجدى بالليبرالية أن تقصر رسالتها المعرفية على كل ما هو معقول فتطالب الإنسان بأن يكون ليبرالياً وذلك بأن يعمل على تحرير عقله من كل فكرٍ باطلٍ بمقدور هذا العقل أن يبرهن على كونه كذلك، وألا تشغل الناس بما لا قدرةَ لعقولهم على التعامل المعرفي معه بالنفي أو الإثبات.
ولكن أنى لليبرالية ذلك، وهي إبداً لم تكن يوماً بعيدةً البعد كله عن “الإغراض المؤدلج”؟! ففي قلب الليبرالية مرضٌ وعقلها مُغرض. كيف لا وقد كشف الليبراليون أخيراً عما يعتمل في عقولهم من خطة خبيثة يُراد لها أن تجعل من هذه الأمة تتخلى عن رسالتها الخالدة بخلود قرآن الله العظيم الذي تشرفت بنزوله عليها؟! ألم يخرج علينا ليبراليو هذا الزمان بدعاوى تطالبنا بأن نعيد قراءة دين الله تعالى، وبما يتكفل بتحقيق مرادهم الخبيث بجعلنا ننظر إلى هذا الدين فلا نراه إلا حزمةً من أوامر ونواه عفا عليها الدهر؟! فيكفينا أن نستذكر ما خرج به علينا مؤخراً من زعم ألا حكمةَ هناك من وراء صيام شهر رمضان! ألا يدل هذا التطاول من قبل ليبراليي هذا العصر على قرآن الله العظيم على ما يستتر داخل نفوسهم المتآمرة على أمتنا من مكرٍ وكيدٍ ودهاء؟
إذاً فهذه دعوة إلى نبذ الليبرالية التي ليس فيها أي خير على الإطلاق. وعلى كل مَن يدعو ويروج لهذه اليبرالية عن جهالة أن يعي أن ليبراليته هذه قد سقطت يوم تجرَّأت على الله تعالى وتطاولت على دينه الإلهي بمطالبتها إيانا أن نُعمل عقولنا فيما لا قدرة لها على التعامل المعرفي معه.
