بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

الإنسان مخلوقٌ بايولوجي متديِّن بالفطرة. وتديُّن الإنسان ظاهرةٌ خارقةٌ للعادة، إذ لا يمكن إرجاع هذا التديُّن إلى أسبابٍ ذات صلة بالماضي التطوري للإنسان كما فصَّله علماء البايولوجيا التطورية؛ فلا شيء في هذا الماضي يحتِّم أن يتطور الإنسان عن الحيوان ويشذ عنه بهذا التديُّن الذي لا قدرةَ لإنسان على أن يعيش حياته دونه. فما الذي حدث فجعل من الإنسان كائناً متديناً إلى هذه الدرجة؟
إن قراءةً لماضي الإنسان التطوري، كما صاغته نظريات البايولوجيا التطورية، لن تجيئنا بالإجابة على هذا السؤال، وذلك طالما كان تدين الإنسان يمثِّل “إضافةً تطورية” لا مسوِّغ لها وفقاً لما تقضي به هذه النظريات. فليس هناك على الإطلاق في ماضي الإنسان التطوري ما يمكن الرجوع إليه للتعليل لهذا الذي أصبح عليه الإنسان بتديُّنه الملازم له كظله. وبذلك يكون تديُّن الإنسان برهاناً على أن هنالك شيئاً خارقاً للعادة حدث في ماضيه التطوري فجعل منه يشذ عن باقي مفردات الطبيعة بهذا العجز منه عن أن يكون غير متديِّن.
وتديُّن الإنسان متفشٍّ في كل ما هو ذو صلةٍ بموقفه من الوجود وموجوداته. فأنت لن تعجز عن أن تجد أمثلةً ليس باليسير إحصاؤها على تجليات وتنويعات لهذا التديُّن تشي كلها بعدم قدرة عقل الإنسان على تقبُّل الوجود وموجوداته دون أن يقاربهما وفقاً لـ “نظامٍ ديني” يظن أنه يمكِّنه من فقه ألغاز هذا الوجود. ولذلك ترى الإنسان يتخبَّط في دياجير ومتاهات أديانٍ شتى. وهذا التخبط دليلٌ على أن هناك حاجةً أصيلةً متأصلةً داخلاً من الإنسان تدفع به إلى تلمُّس ما يروي ضمأه إلى الدين الحق الذي يكفي برهاناً على أنه موجود بحق هذا الشوق الذي يعتمل داخل الإنسان إليه. ولأن الإنسان خُلق ليعبد الله تعالى، كما علَّمنا القرآن العظيم، فإن هذا التخبُّط من جانبه، بعيداً عن الدين الحق، دليلٌ على ألا قدرةَ للإنسان على أن يهتدي إلى هذا الدين بمفرده. وهذا ما يجعلنا ملزَمين بأن نُقِر بأن الإنسان دون تدخل إلهي مباشر لن يكون بمقدوره أن يعرف طريق الحق. وبذلك يتبيَّن لنا أن دين الله تعالى لا يمكن لعقل الإنسان أن يصل إليه بمجهوده الفكري. ولذلك كانت الرسالة الإلهية وكان رسل الله.
