لا فقراء في عالم الطبيعة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

لرزقكم كما يرزق الطيريغضب كثير من قراء ما أكتب لفرط ما أتحدث به منتصراً للحيوان على الإنسان. وهؤلاء القراء الغاضبون لا عذر لهم عندي، وذلك طالما كان غضبهم هو لا أكثر من انتصارٍ للباطل على الحق عن جهالةٍ أو عن إصرارٍ على التغافل عن رؤية الوقائع والحقائق، طالما كانت هذه وتلك لا تتفقان مع ما يذهب إليه كل من لم يُلزم نفسه حدودها، فكان أن تمادت في تسلُّطها على العقل والقلب منه. فالناظر بعين عقلٍ سليمٍ من آفات النفس وهواها إلى عالم الطبيعة لن يكون بمقدوره ألا يلحظ تفوُّق الحيوان على الإنسان انضباطاً منه بقوانينها وتناغماً مع ضوابطها ومحدِّداتها. فبينما يعجز الإنسان عن التناغم مع الطبيعة بهذا الخروج السافر منه عليها، تمرداً على قوانينها الإلهية وتناشزاً مع روحها التي خلقها اللهُ تعالى طائعةً له مطيعة، ترى الحيوان يعيش فيها ملكاً خليفة! فلكأن الطبيعة للحيوان جنةٌ يتعايش فيها مع غيره من باقي أنواع الحيوان وفق ما تقضي به قوانين الله تعالى التي كفلت لهذه الطبيعة ألا تسمح بطغيان القوي على الضعيف، وبما يجعل هناك غالباً ومغلوباً، وسائداً ومتنحياً.

وأنت إن جُلتَ بناظريك في عالم الطبيعة، فلن تجد هناك يوماً حيواناً يفترش قارعة الطريق فيها باسطاً يديه يسأل غيره من الحيوانات صدقةً! فلماذا انتفى وجود الفقر والفقراء في عالم الطبيعة بينما يزخر عالم الإنسان بكمٍّ من الفقراء يتعاظم يوماً بعد يوم؟! إن الأمر لا يمكن أن يكون مجرداً مما هو ذو صلةٍ بما هو عليه الحيوان من تناغمٍ مع قوانين الله تعالى وبما هو عليه الإنسان من شذوذٍ عنها. وإلا فكيف لنا أن نعلل لانتفاء الفقر والفقراء بين حيوانات الله في الطبيعة، وشيوع الفقر والفقراء في عالم الإنسان الفار من الله والآبق إلى هواه؟!

إن الفقر في عالم الإنسان ظاهرةٌ خارقة للعادة، وذلك إذا ما عُرض الأمرُ على عالم الطبيعة الذي تبيَّن لنا ألا فقرَ هناك فيه، طالما كان كل حيوان في هذا العالم الإلهي المتقن مرزوقاً، كبيراً كان أم صغيراً. ونحن إذا ما أردنا أن نعلل لشيوع الفقر في عالم الإنسان، فلن نجد بأفضل من حديثين لحضرة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يمكِّنان كل من كان عنده حظ يسير من تفكيرٍ سليم من أن يقارب بهما هذا الأمر فيبطل العجب بمعرفة السبب. والحديثان الشريفان هما: “لو أنكم تتوكلون على الله حق توكُّله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً”، و”إن الله فرض على الأغنياء ما يكفي الفقراء”.

أضف تعليق