بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

تقضي البايولوجيا التطورية للكائنات الحية بأن الإنسان قد تطور عن الحيوان، ولكن هذه البايولوجيا تعجز عن التعليل لحقيقةٍ صادمة من حقائق الوجود البايولوجي تغافلت عنها، وذلك لأنها لا تستقيم مع التصور النظري الذي افترضته لتفسِّر به كل ما تظن أنه قد حدث في عالم الطبيعة فجعلها على هذا الذي هي عليه من تنوُّع بايولوجي ثر! وهذه الحقيقة تتعلق بكون الإنسان يشذ عن صنوف الحيوان وأنواعه كلها جميعاً بما بالإمكان أن يُشار إليه بأنه تطور بايولوجي غير مكتمل شذَّ به هذا الإنسان عن حيوانات الطبيعة كلها مجتمعة؛ فأنت إذا ما نظرتَ إلى أي حيوان في الطبيعة فلن تجده إلا متوائماً مع بيئته متكيفاً وفق متغيراتها وثوابتها فلا ينقصه شيء. وفي المقابل تجد الإنسان عاجزاً عن أن يتكيَّف مع بيئته إلا بالاستعانة بـ “مكيِّفات اصطناعية” كالملابس وأجهزة تكييف درجة حرارة الجو تبريداً وتسخيناً. فلماذا كان على الإنسان أن يكيِّف جسمه، أو محيطه، حتى يتسنى له أن يكون متكيفاً مع بيئته، في الوقت الذي لا تجد حيواناً غير متكيف بصورة طبيعية، لا اصطناعية، مع بيئته؟ ألا يحق للواحد منا أن يظن بأن هناك نقصاً في قصة تطور الإنسان حال دون أن يكون بمقدوره أن يتكيَّف مع بيئته؟ إن واحداً من أهم ما يميز علاقة الحيوان بمحيطه قدرته على “التكيُّف الطبيعي” معها. فلماذا حُرم الإنسان من هكذا ميزة تطورية وهو أكثر الكائنات البايولوجية رقياً وتطوراً؟ أم أن الأمر بالإمكان أن يُقارَب مقاربةً أخرى فنقول إن هذا “العيب التطوري”، عوض أن يُعتبر نقصاً وعدم اكتمال، هو في حقيقة الأمر ردة تطورية وانتكاسة حدثت للإنسان جراء أمرٍ ما جلل تسبَّب في هذا الذي جعل منه عاجزاً عن أن يتكيَّف مع محيطه بصورة طبيعية؟ فلو أننا التجأنا إلى ما بين أيدينا من علمٍ بالبايولوجيا التطورية للإنسان فلن يكون بمقدورنا أن نعلل لهذه “الارتكاسة التطورية” التي لا مسوِّغ تطورياً كان ليوجبها فيجعل منها واجبة التحقق. فكل تغيُّر تطوري حدث للحيوان في مسيرة نشوئه وارتقائه ما كانت إلا لتجعل منه متكيفاً مع بيئته، متوافقاً مع متغيراتها، فلماذا حدث ما حدث فجعل من الإنسان يرتكس بهذا اللاتناغم المميِّز لعلاقته ببيئته؟ لن يكون بمقدور البايولوجيا التطورية للإنسان أن تجيبنا على كل هذه الأسئلة، وذلك طالما لم يكن تطور الإنسان وفق ما تقضي به نظرياتها قد اتخذ له ساحةً غير كوكب الأرض هذا. وحده القرآن العظيم بمستطاعه أن يأتينا بنبأ يقين يُعيننا على تبيُّن ما حدث في ماضي الإنسان السحيق فجعل منه عاجزاً عن “التكيُّف الطبيعي” مع محيطه.
هل تذكرون الشجرة التي نُهي عن الأكل منها أبوانا؟ يخبرنا القرآن العظيم بأن تلك الشجرة كانت في جنة فضائية أُهبط أبوانا منها بعد أكلهما منها. ولقد ذكر القرآن العظيم أن أول ما حدث لآدم وحواء، بعد أكلهما من تلك الشجرة، أنهما طفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وذلك بسببٍ من إحساسهما بما تسبب به عريهما المفاجئ بزوال وسقوط الغطاء الشعري الذي كان على بدنَيهما (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى) (118 طه).
