بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
لم أكن لأتخيل أن أضطر إلى الكتابة عن موضوع هذا المنشور بعد أن ظننت أنني قد تحدثت عنه بما فيه الكفاية قبل أكثر من عشرين عاماً، وذلك في كتابي “نشوء وارتقاء آدم وحواء”. فلقد فوجئت بردود أفعالٍ متشنجة من بعض قراء ما أكتب على ما أذهب إليه في حملتي على الإنسان مستهدياً بالقرآن العظيم. ومن ذلك، الاعتراض بأن هذه الحملة يبطلها أن من بين بني الإنسان من هم مؤمنون وصالحون. ويعترض آخرون على أن حملتي هذه على الإنسان لا مبرر لها، من وجهة نظرهم، طالما جاء في القرآن العظيم أن الله تعالى خلق الإنسان في أحسن تقويم. ولهؤلاء أقول: إن الإنسان الذي أتعرض له فيما أكتب بالهجوم والانتقاد، هو الإنسان ذاته الذي هاجمه الله في القرآن العظيم بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيم) (6 الانفطار)، (قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ) (17 عبس). فعلى ما يبدو أن هؤلاء المنتقدين قد فاتهم أن يتدبروا القرآن العظيم، وإلا لما غفل الواحد منهم عن استذكار ما حفل به هذا القرآن من عشرات الآيات الكريمة التي تهاجم الإنسان وتندد بسيء خصاله! ولكن يكفي هؤلاء أن يتذكروا أن الله تعالى قد شخَّص واحدةً من أبرز هذه الخصال المميزة للإنسان، وهي عشقه للجدل (وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا) (من 54 الكهف).
ولمن ينظرون إلى الإنسان فيرونه مخلوقاً في أحسن تقويم، أقول إن عليهم أن يرجعوا إلى سورة التين فيقرأونها دون اقتطاع أو اجتزاء أو تبعيض ليدركوا أن هذه الخِلقة لم يُشرَّف بها من بني الإنسان إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وإلا لما كانت هناك تلك الردة التي رُدَّ الإنسان بموجبها أسفل سافلين!
إن كون القرآن العظيم قد جاء بحشدٍ هائلٍ من الآيات الكريمة، التي يبيِّن تدبُّرها ما هو عليه الإنسان من سيء حالٍ مع الله تعالى، هو عندي دليل إعجاز هذا القرآن، وذلك لأنه شخَّص الإنسان على ما هو عليه حقاً وحقيقة دون مبالغةٍ ومغالاة في تعظيمه وتفخيمه وتبجيله وتقديسه، كما يفعل معظمنا ممن ينطق هذا التعظيم منهم للإنسان فيصرِّح بما هو مستترٌ داخلاً من نفس الواحد منهم تقديساً لهذه النفس!
