ومتى كان للإسلام عصرٌ ذهبي؟

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

لقد حق القول على أكثرهمنظن ونتوهم أن المسلمين في عصرنا هذا لا ينبغي أن نقارنهم بمسلمي عصر النبوة المحمدية المجيد، وذلك لأننا قد وقر لدينا أن ذلك العصر تميز بأن المسلمين فيه كانوا كلهم جميعاً على قلب رجل واحد يعيشون حياةً مثالية خالية مما يميِّز حياة مسلمي زماننا هذا من قلة إيمان وعمل صالح. فلكأن تلك الحقبة من الزمان كانت عصراً ذهبياً للإسلام وللمسلمين! والحقيقة أن هكذا تصور يخالف عن قانونٍ من قوانين السوسيولوجيا والسايكولوجيا، إذ يجعلنا نبالغ في تعظيم الناس وننسى بذلك ما يقضي به هذا القانون من أن “الناسُ كالناس والأيامُ واحدة”. فلم يكن مسلمو عصر النبوة كلهم جميعاً على قلب رجل واحد، وإلا لما نزلت سورة الصف وجاء فيها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ. كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُون. إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ). فهل يُعقل أن يكون حضرة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في جماعة من المسلمين فينصرفوا عنه إلى اللهو والتجارة (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِين) (11 الجمعة). فهؤلاء الذين انصرفوا عن حضرة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وتركوه قائماً، هم الذين كانوا يتسللون لواذاً فيعرضون عن مجالسه صلى الله تعالى عليه وسلم (لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (63 النور). أم ترانا نسينا المُثَّاقلين إلى الأرض من مسلمي عصر النبوة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) (38 التوبة).

إن الحقيقة توجب على من يبحث عنها أن يكون على استعداد، إذا ما قُدِّر له أن يقع عليها، لأن يتخلى عن كثير من المسلَّمات والبديهيات التي سبق له وأن افترضها عن جهالةٍ بتصديقه لكل من جاءه بنبأ عنها تبيَّن له، بهذا الوقوع منه عليها، ألا صحةَ له على الإطلاق. وهكذا فإن تدبُّر القرآن العظيم يمكِّنك من أن تعرف ألا عصر ذهبياً كان للإسلام يوماً عمرَ الإسلام فيه قلوب المسلمين كلهم جميعاً، وأن مِلاك الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم كان محدوداً لصعوبة تحقيق الشرائط التعبُّدية التي ليس باليسير التحلي بها. فلقد أبان القرآن العظيم عن أن دخول الإيمان في القلب ليس بالأمر اليسير، وأنه لا يكفي أن يقول الواحد “أسلمتُ” (قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (14 الحجرات).

إذاً يتبيَّن لنا أننا بحاجة إلى إعادةِ كتابة تاريخ العرب بعد الإسلام، وبما يتكفل بتصحيح تصوراتنا الطوباوية التي جعلتنا نتوهم ما لم يكن له وجود، فنظن خيراً بكل شخوصه من الخواص والعوام وننسى أننا بذلك نكون قد افترضنا تاريخاً يخالف ما جاء به القرآن العظيم من توصيفٍ دقيق لما كان عليه الناس آنذاك، ونعارض بذلك أيضاً نصوصاً قرآنيةً كريمةً كثيرة حتَّمت ألا تكون لتصوراتنا هذه ما يقابلها على أرض الواقع. فالقرآن العظيم قد حكم بنصِّه الإلهي فجعل من الذين آمنوا وعملوا الصالحات قلة قليلة في كل زمان ومكان. وهذا ما يتوافق تمام التوافق مع ما نعرفه عن الإنسان كما جاءت به آيات هذا القرآن، وكما تشهد به وقائع الأمور. والوقت قد حان لنعيد حساباتنا فلا نبقى منبهرين بتصوراتٍ هي أبعد ما تكون عن الحقيقة. فالإنسان هو الإنسان في كل زمان ومكان. والمؤمنون من بَنيه، شئنا أم أبينا، هم قلة قليلة.

أضف تعليق