بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

ما الذي دفع بداروين إلى صياغة نظريته التطورية؟ قد يسارع البعض منا إلى الإجابة على هذا السؤال بأن رحلة داروين إلى جزيرة غالاباكوس كانت هي ما جعل منه يفكر في الآليات التي تمكَّنت الكائنات الحية بواسطةٍ منها من التكيُّف مع متغيرات بيئتها؛ الأمر الذي قاده إلى وضع كتابه الأشهر “في أصل الأنواع” (On The Origin Of Species). إلا أن الأمر أعقد من ذلك بكثير، إذ أن داروين ما كان له أن يعزو أمر التطور إلى الكائنات الحية تمارسه رد فعل منها على متغيرات الطبيعة لولا أنه كان متأثراً بالثقافة الدينية التي كانت سائدة في عصره، والتي صاغت تصوراً لله تعالى يكون الله بموجبه خالقاً خلق الخلق وانتهى عند ذلك تدخُّله الإلهي في مسيرة خلقه. وبذلك كان على داروين أن يفترض أن الكائنات الحية هي التي تكفلت بتطوير نفسها طالما لم يكن هناك من يدٍ إلهية تتكفل بذلك. وبذلك يتضح لنا أن إقدام داروين على عزو أمر التطور إلى الكائن الحي يعود بصورةٍ كاملة إلى كونه أسير الثقافة الدينية التي كانت سائدة في عصره، وأنه لو كان يعيش في كنف ثقافةٍ دينيةٍ مغايرة فإن نظريته التطورية ما كانت لترى النور!
أقول هذا وأنا أتدبر فيما أنعم الله تعالى به علينا من دينٍ عرَّف اللهُ تعالى به نفسه لنا في قرآنه العظيم: إلهاً خالقاً فاعلاً متفاعلاً مع مخلوقاته، وبما يتكفل بأن يكون هو القائم بالتطوير فلا يترك مخلوقاته البايولوجية تتخبَّط في متاهات ودياجير الطبيعة لا تدري أي السُّبل تسلك فتلجأ إلى “الانتخاب الطبيعي” ليُعينها على “اختيار الأصلح والأنسب” في عالمٍ “لا سيادة فيه إلا للأقوى”! فاللهُ تعالى أنبأنا في قرآنه العظيم بأنه الرحمن الرحيم بخلقه، وأنه بذلك يكون هو من وراء ما يحتاج إليه الكائن الحي ليتكيَّف مع متغيرات بيئته، وبذلك يكون التطور في الطبيعة ظاهرةٌ يحرِّكها الله تعالى من وراء حجاب الأسباب. فإذا كان الإنسان عاجزاً عن أن ينظر إلى الطبيعة فيرى الله تعالى وهو يتدخل تدخلاً مباشراً يتجلى تطويراً للكائنات الحية من طورٍ إلى آخر، فإن هذا لا يمكن على الإطلاق أن يسوِّغ له الوقوع في وهم أن الكائنات تتطور تطوراً ذاتياً من تلقاء نفسها!
أختم بقولي إن قراءة ما بين سطور كتاب “في أصل الأنواع” بوسعها أن تؤكد أن ما أخطأ فيه داروين كان تقبله للثقافة الدينية السائدة في عصره دون أن يُعمل فيها “عقله العلمي”، فيكون له أن يتساءل إن كان هناك تصورٌ آخر لله تعالى يكون فيه الله خالقاً فاعلاً متفاعلاً مع خلقه، وبما يؤمِّن للواحد منهم أن يتكيَّف مع متغيرات بيئته بتدخُّل إلهي مباشر من لدنه تطويراً يتجلى للناظرين تطوراً.
