بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
تنتظم عالَمَ الطبيعة قوانينٌ إلهية جعلته عالماً فاضلاً مثالياً محكماً فلا فساد فيه ولا طغيان ولا بؤس ولا شقاء. فعالم الطبيعة أسلم قياده لله تعالى فأصبح بذلك مرآةً تتجلى فيها قدرته ورحمته وحنانه وجماله وعدله وحكمته. وهذا العالم الطبيعي لا شذوذ فيه عن قوانين الله تعالى ولا حيود ولا انحراف؛ فكل مفرداته الطبيعية من نباتٍ وحيوان لا قدرةَ لها على أن تخالف عن أوامر الله تعالى التي لا سيادةَ لغيرها عليها. ولذلك فإنك إن جُلتَ بناظريك في عالَم الطبيعة، فلن يكون بمقدورك إلا أن ترى آثارَ هذا الانضباط والالتزام والتقيُّد بقوانين الله تعالى. فكل ما يحدث في عالم الطبيعة منضبط بهذه القوانين الإلهية التي يُخطئ من يظن أن لأية مفردةٍ من مفرداتها القدرة على أن تُخالف عنها، وذلك بأن تسلك مسلكاً يشذ بها عنها ويجعلها تخرج عليها وتتناشز معها. ويخطئ من يظن أن عالَم الطبيعة مؤسَّس على “شريعة الغاب” التي لو كانت هي حقاً شرعَة الطبيعة لما بقيَ من هذه الطبيعة شيء! فعالم الطبيعة شرعته هي شريعة الله تعالى لا شريعة الغاب. فالقوي في هذا العالم الطبيعي لا يطغى فيفنى بذلك الضعيف، والقوي في هذا العالم الطبيعي لا يُفسِد في الأرض ويسفِك الدماء دون سبب، فتنتهي بذلك الحياة البايولوجية! فمازلنا، وبعد ملايين السنين، نجد في هذا العالم الطبيعي أقوى الحيوانات يصول ويجول مع أضعفها، وذلك من دون أن تكون الغلبة للقوي لمجرد كونه قوياً! وما هذا إلا واحدٌ من البراهين والأدلة على أن عالم الطبيعة تنتظمه قوانين هي غير ما نتخيَّل ونتصور بعقولنا المفتونة بالتسلُّط والاستقواء على الآخرين!
وفي المقابل، فما الذي يمكن أن تتحدث به عن عالم الإنسان غير أنه عالمٌ لا قدرةَ للضعيف فيه على البقاء، عالمٌ يتحكم فيه القوي بالضعيف، عالمٌ فيه من الطغيان والفساد ما هو حريٌّ بأن يعزى إلى الإنسان الذي قال عنه ربه في القرآن العظيم (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى)، (قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ). فعالم الإنسان يشي بما هو عليه هذا الإنسان من ظلمٍ وجهالة؛ كيف لا وهو الذي حمل الأمانةَ فكان بذلك ظلوماً جهولا (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا). فإفساد الإنسان في الأرض، وطغيانه فيها، هما ما تسبب بهما ظلمه وجهله اللذان جعلا عالمَه ينوء بكل ما نعرف من تجليات الشقاء والعناء والكأداء. وعالم الإنسان ما أصبح على هذا القدر من السوء لولا أنه، وعلى خلاف عالم الطبيعة، قد أعرض عن الله تعالى وعن قوانينه الإلهية، التي لو أنه تقيَّد بها لكان حاله كحال عالم الطبيعة، ولما أصبحنا على ما نحن عليه يُعادي بعضنا بعضاً.
ولذلك كان كل مَن ينادي بأفضلية الإنسان على الحيوان إنما يقترفُ جنايةً عظمى بحق نفسه، وذلك لأنه قد انتصر للباطل على الحق، وذلك بانتصاره للإنسان الظلوم الجهول على الحيوان الذي لا قدرةَ له على أن يعصي الله تعالى فيخرج على قوانينه الإلهية التي نظَّم بها الله تعالى حياته. فمفردات عالم الطبيعة كلها جميعاً هي كالنحل الذي علَّمنا قرآن الله العظيم أنه لا يفعل ما يفعل إلا امتثالاً منه لوَحي الله تعالى وأمره (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُون. ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون).
ويكفي من ينتقد إصراري على وجوب أن تنتهي المفاضلة ما بين عالم الإنسان وعالم الطبيعة إلى أفضلية عالم الطبيعة، أن يتذكر ما جاءتنا به سورة الغاشية من توجيه إلهي بأن ننظر إلى الإبل كيف خُلقت (أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ).
