أعبد الله ما دمت من بني آدم

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِخلق الله آدم وأسكنه الجنة يأكل منها رغداً حيث يشاء. ولم يكن آدم مطالَباً بأن يعبد الله تعالى. ولقد كان للقرآن العظيم القول الفصل في هذا الأمر، وهذا ما بوسعنا أن نتبيَّنه بتدبُّرنا هذه الآيات الكريمة: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) (35 البقرة)، (وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) (19 الأعراف)، (فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى. إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى. وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى) (117 -119 طه).

إذاً فآدم وحواء كانا قد أُسكنا الجنة ولم يكونا مطالبَين بأية عبادات على الإطلاق. وفي هذا رد على كل من تنطَّع وزعم بأن آدم خُلق ليعبد الله تعالى. ولكن إذا لم يُخلق آدم ليعبد الله تعالى فكيف لنا أن نفهم الآية الكريمة (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)؟ فكيف يكون آدم قد خُلق ليسكن الجنة ويأكل منها رغداً بينما يتعين على ذريته أن يعبدوا الله تعالى؟ إذاً هناك في الأمر ما يستدعي وجوب أن نلتجئ إلى القرآن العظيم لنتبيَّن ما حدث فجعل من العبادة تُفرض على بني آدم. ولن يطول بنا الأمر قبل أن نستذكر أن هذا الذي حدث فجعل من بني آدم ملزمين بعبادة الله تعالى هو أكلُ آدم من الشجرة التي نُهي عنها. فلقد جرَّت تلك الأكلة المحرمة على آدم وبَنيه ما جعل منهم يضطرون إلى مغادرة الجنة والعودة إلى الأرض من جديد.

فالعبادة إذاً فُرضت على بني آدم بسببٍ من أكل آدم من تلك الشجرة. وهذا ما بوسعنا أن نتبيَّنه جلياً بتدبُّرنا الآيات الكريمة الواردة بهذا الشأن: (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (38 -39 البقرة)، (قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ. قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ. يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ. يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ) (24 -27 الأعراف)، (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى. وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) (123 -124 طه).

إذاً فلقد ترتَّب عن أكل آدم من الشجرة التي نهي عنها ما جعل من ذريته ملزمةً بأن تعبد اللهَ تعالى، فيكون لها بذلك أن تنعم ولا تشقى. فالعبادة ما فرضها اللهُ تعالى علينا إلا من بعد أكل أبوينا من الشجرة المحرمة. وكل من يقول بخلاف ذلك يكون قد خالف صريح نص القرآن العظيم لا لشيء إلا لتعظيم وتبجيل الإنسان الذي يظن مُعظِّموه ومبجِّلوه أنه ما كُلِّف بعبادة الله تعالى إلا زيادةً فيما هو عليه من عالي شرف ورفيع مقام! ويكفي هؤلاء المبالغين والمغالين في تعظيم الإنسان، أن آدم لم يكن له أن يعلم كيف يعبد الله تعالى فيستغفره لولا فضل الله تعالى عليه، والذي تجلَّى في تلك الكلمات التي علَّمها اللهُ تعالى إياه (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيم) (37 البقرة).

وبذلك يتبيَّن لنا وبما لا يقبل الشك أن الإنسان، ومن بعد أكل أبويه من الشجرة التي نُهيا عنها، قد أصبح مُلزماً بلزوم عبادة الله تعالى وإلا فالشقاء رفيقه في الدارين.

أضف تعليق