بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
تحدثتُ في أكثر من منشور عن أن المقاربة التقليدية للقرآن العظيم ليست هي بالضرورة الأقرب إلى تدبُّره وفقه ما انطوت عليه آياته الكريمة من معنى ليس التنطُّع والتعسُّف هما ما يجعل منها المقاربة المثلى. ولقد ضربتُ مثلاً على إخفاق بعض هذه المقاربات التقليدية للقرآن العظيم بتلك المبالغة في تأويل وتفسير الكلمة القرآنية الكريمة “العالمين”، وبما يجعل منها تعني: العوالم، ما خفي منها وما ظهر، وما استتر منها وما تجلى، وما علمنا منها وما لم نعلم! ولعل أن يكون أصحاب هذه المقاربة معذورين فيما ذهبوا إليه، وذلك إذا ما افترضنا أن الأمر ذو صلةٍ بما يخالونه تعظيماً وتفخيماً لهذه الكلمة القرآنية الجليلة. إلا أن المقاربة الصحيحة لكلمات القرآن العظيم ينبغي ألا تخرج عن الحدود التي ينبغي أن نتقيد بها فلا نبخس الكلمة القرآنية حقها، ولا نتعسف فيه، وذلك لأن الأصل هو الاهتداء إلى معناها دون أن نزيد أو ننقص لهذا السبب أو ذاك. فكلمة “العالمين” في القرآن العظيم، إن أنت تدبرتَ كل موطنٍ وردت فيه، فلن يكون لما ذهب إليه هؤلاء المقارِبون ما يؤكد صوابَ مذهبهم هذا. وتدبُّر هذه الكلمة الجليلة مفضٍ بك إلى أنها تعني: الناس بنو آدم، دون أن يكون لها أي معنى آخر مما خاله أولئك المقارِبون. فاللهُ تعالى أرسل حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم للعالمين كافة، أي للناس أجمعين. ولذلك فليس هناك من داعٍ للتنطُّع والتعسُّف، وذلك بأن نقول بأن الرسالة المحمدية المجيدة استهدفت أحداً آخر غير بني آدم، كأن يكون الجن مثلاً. ودليلي على ذلك ما جاءنا به قرآن الله العظيم من أن الجن لم يتوجه إليهم حضرة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم برسالته الإلهية المبتعث بها، وإنما صرفَ اللهُ تعالى الجن إليه صلى الله تعالى عليه وسلم ليستمعوا القرآن ويولوا هم إلى قومهم منذرين: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ. قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ. يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ. وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) (29 -32 الأحقاف).
وهذا هو عين ما تؤكده سورة الجن المبتدأة بهاتين الآيتين الكريمتين: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا. يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا) (1 -2 الجن).
