بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
تحدثتُ في منشوراتٍ سابقة عن أن تدبُّر القرآن العظيم بوسعه أن يُفضي بنا إلى الوقوع على حقيقةٍ تُمكِّننا من توصيف علاقة إبن آدم بأخيه على مر العصور وتعاقب الدهور وتباين الحضارات واختلاف الثقافات وتناشز الأعراق والأجناس. وهذه الحقيقة بالإمكان تلخيصها بأن “بعض بني آدم لبعض عدو”. وبموجب هذه الحقيقة، التي بالإمكان اعتبارها قانوناً يسري في عموم المكان والزمان على كوكبنا الأرضي هذا، فإن بمقدورك أن تعيد قراءة تاريخ بني آدم منذ أسطره الأولى على ضوء هذه الحقيقة-القانون لترى بأم عينيك أن الغالب الأعم على هذا التاريخ هو تجلياتٌ لهذه “العداوة البينية” التي قُدِّر لبني آدم أن يرزحوا تحت نَيرها منذ خطوات الإنسان الأولى على أرض هذا الكوكب. وفي هذا يتبيَّن ما للقرآن العظيم من تفوق معرفي على أي منهجٍ معرفي آخر، وذلك طالما لم يكن لغير هذا القرآن القدرة على تشخيص هذه العداوة التي جعلت كتب التاريخ على مر الزمان تمتلئ دماء وأشلاء. على أن هذا التفوق المعرفي للقرآن العظيم لم يقتصر على تشخيص هذه الحقيقة، التي يشهد واقع الإنسان على أنها كذلك، ولكن تعداه إلى تبيان العلة التي كان لها أن تجعل من هذه العداوة البينية قدر الإنسانية المحتوم الذي لا فرار لها منه إلا بقدَر إلهي آخر يتأتى لها الفوز به إذا ما هي سارت على طريق الله تعالى بتوفيقٍ من الله وهدى. فالقرآن العظيم ينبؤنا بنبأ يقين بأن هذه العداوة ما تأصَّلت في جينات بني آدم إلا بسببٍ من أكل آدم وحواء من الشجرة التي نُهيا عنها. وهذا ما بإمكاننا أن نتبيَّنه بتدبرنا الآيات الكريمة التالية: (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) (36 البقرة)، (قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) (24 الأعراف)، (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى) (123 طه).
وكنت سأختم بهذه الآيات الكريمة لولا أنني تذكرتُ أن هناك مَن يقارب هذه الآيات الكريمة مقاربةً يظن أنها تؤهله ليفسِّر هذه العداوة بأنها العدواة التي كُتبت على إبليس لعنه الله، وآدم عليه السلام بعد أكله من الشجرة المحرمة. وهؤلاء الذين ذهبوا هذا المذهب إنما يخالفون صريح نص القرآن العظيم الذي جاء فيه أن الله تعالى أمر بني آدم أن يتخذوا الشيطان عدواً (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا) (من 6 فاطر). فالعداوة بين إبليس لعنه الله والإنسان قائمةٌ منذ أمره الله تعالى بالسجود لآدم عليه السلام فأبى واستكبر. وهذه العداوة من جانب إبليس لعنه الله وثَّقتها آيات قرآنية كريمة كثيرة، منها: (وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) (من 208 البقرة)، (إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ) (من 5 يوسف)، (إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوّ) (من 50 الكهف). فلو كان الأمر كما يزعم هؤلاء الذين يقولون بأن “بعضكم لبعض عدو” تخص إبليس لعنه الله وبني آدم، فلمَ أمرنا الله باتخاذه عدواً؟! فأمرُ الله تعالى لنا هذا يعني عدم تحقق العداوة من جانبنا، وأننا يتوجب علينا أن نعاديه (لعنه الله) كما يعادينا. وبذلك تكون هذه المقاربة قد أخفقت في استبيان ما نطوت عليه آيات “بعضكم لبعض عدو” من معنى جلي بيِّن لا مجال للشذوذ عنه تعسُّفاً وشططاً.
إن العداوة البينية، التي هي قدر بني آدم، مقدَّر لها أن تتبدَّد إذا ما سار بنو آدم على طريق الله تعالى مهتدين بهدي هذا الطريق الذي أبان القرآن العظيم عن أنه السبيل الوحيد ليصبح البشر أخواناً متحابين في الله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (103 آل عمران).
