بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
انتهيت في منشور سابق إلى أن العبادة فُرضت على بني آدم من بعد ما تضررت بُنيتهم بايولوجياً وفسيولوجياً وسايكولوجياً جراء أكل آدم وحواء من الشجرة التي نُهيا عنها. وبذلك تكون العبادة هي السبيل الوحيد أمام بني آدم لإصلاح ما تضرر منهم جراء تلك الأكلة المحرمة. ويخطئ من يظن أن العبادة قد فرضها اللهُ على بني آدم رغبةً منه تعالى في إظهار سيادته المطلقة وهيمنته الشاملة عليهم! فاللهُ تعالى قد أبان في قرآنه العظيم عن أننا نحن الفقراء إليه وهو الغني عنا، وأننا نحن الذين نحتاجه وهو لا يحتاجُ أحداً من خلقه طراً (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيد. إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ. وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ)، (15 -17 فاطر)، (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ. مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ. إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) (56 -58 الذاريات).
إن تدبُّر الآيات القرآنية الكريمة ذات الصلة بما حدث لآدم وزوجه، من بعد أكلهما من تلك الشجرة، يقطع بأن هناك شيئاً ما قد حدث فجعل من ذريتهما تلتاث بلوثةٍ لا شفاء منها إلا باتباع هدى الله تعالى (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون) (37 -39 البقرة). إذاً فليس أمام بني آدم من سبيلٍ آخر غير اتِّباع هدى الله تعالى لتشفى بُنيتهم وليتم إصلاح ما تضرر جراء تلك الأكلة المحرَّمة. وأنت إذا ما تدبَّرت في حال الإنسانية، قديماً وحديثاً، فلن تعجز عن أن تتبيَّن أن الإنسان مهما جدَّ واجتهد وحاول أن يصلح من شأنه، بعيداً عن هدى الله تعالى، فلن يُكتب له النجاح أبداً.
على أن لعبادة الله تعالى أيضاً ما بوسعه أن يسمو بالإنسان ويرقى به من بعد تحقُّق هذا الإصلاح الذي لا مناص منه إذا ما أراد هذا الإنسان أن ينجو من الشقاء في الدنيا والآخرة. فعبادة الله تعالى تمكِّن العابد من أن يحقق ارتقاءً يطال بُنيته فيجعلها تتميَّز بصفاتٍ استثنائية ليس هناك من سبيلٍ آخر إلى التميُّز بها. وبذلك تقدِّم عبادة الله تعالى للإنسان ما يُمكِّنه من الارتقاء إلى مصافٍ يتجاوز بها قدَره البايولوجي والفسيولوجي، وبما يتجلى خوارق عاداتٍ وكرامات يقف العلم أمامها عاجزاً عن أن يعلِّل لها وفقاً لما انتهت إليه نظرياتُه التي خُيِّل لواضعيها أنها قد قدَّمت التصور النهائي لهذا الإنسان.
