بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

ليست قوانين الله تعالى كلها سواء في تسلُّطها على الوجود وإمساكها بتلابيبه. فهذه القوانين الإلهية يفضُل بعضها بعضاً وتتفاوت فيما بينها في تراتبيةٍ لا يعلم كنهها إلا الله تعالى. فالوجود قد استقر على ما هو عليه من بعد أن سرت فيه قوانينٌ لله تعالى سيَّرت وقائعه وأحداثه وظواهره وجعلتها تحدث بأسبابٍ تمثِّل تدخله الإلهي غير المباشر في هذا الوجود. ونحن إذا ما عكفنا على تدبُّر هذا الوجود فلن يكون عسيراً علينا أن نتبيَّن أن الغالبية العظمى من وقائعه وأحداثه وظواهره هي نتاج التدخل الإلهي غير المباشر بوساطةٍ من تلك الأسباب التي توارى الله تعالى من ورائها علةً ما كان لهذه الأسباب أن تفعل فعلها فيه لولاها. إلا أن لله تعالى تدخلاً آخر في شؤون هذا الوجود لا أسباب هنالك بينها وبينه. وهذا هو تدخله الإلهي المباشر خرقاً للمألوف بقوانينَ إلهيةٍ تتسلط على تلك القوانين التي يستقر الوجود على ما هو عليه بإطاعته لها. وهذا التدخل الإلهي المباشر هو ما اصطُلح على الإشارة إليه بأنه فعل “كن فيكون”.
وفي هذا المنشور سوف أتحدث عن قانونين إلهيين أحدهما يمثل تدخلاً إلهياً مباشراً، والآخر يمثل تدخلاً إلهياً غير مباشر، في سير أحداث الوجود. وسوف أشير إلى ما تسنى للوجود أن يحظى به من خصائص استثنائية وميزات ما كان له أن يحظى بها لولا تفاضل هذين القانونين وتكاملهما. فهذا الوجود يتميز بأن فيه حياةً بايولوجية لا نعلم لها انتشاراً في غير كوكبنا الأرضي هذا. وهذه الحياة البايولوجية قد جعلها الله تعالى تنتشر في هذا الكوكب وفقاً لقانون أسميتُه في منشوراتٍ سابقة “قانون الإقتصاد في الصرف”. ويقضي هذا القانون بأن تحدد الطبيعة فعالياتها دون أن يكون هناك هدر أو إسراف أو تبذير، فيحدث كل ما فيها في تمام التوافق مع مقتضيات هذا القانون الإلهي. وهذا القانون هو واحدٌ من قوانين التدخل الإلهي غير المباشر في الوجود. إلا أن المتدبر في الطبيعة، وما يتجلى فيها من حياة بايولوجية، لابد وأن يفضي به تدبُّره هذا إلى أن هذه الحياة تتميز بتنوع حيوي Biodiversity يتناقض بالتمام والكلية مع ما يقضي به قانون الاقتصاد في الصرف. فكيف تأتى للطبيعة أن تخالف عن أمر قانون إلهي وهي التي خلقها الله طائعةً له مطيعة؟ إن الإجابة على هذا السؤال يتكفل بها تذكُّرنا أن هذا التنوع الحيوي لم يكن للحياة البايولوجية أن تتميز به لولا أن هذه الحياة، وإن كانت تطيع قانون “الاقتصاد في الصرف”، فإنها تطيع أيضاً قانوناً إلهياً آخر متسلطاً عليه هو القانون الذي بموجبه تسنى للحياة أن تحظى بهذا التنوع الحيوي المذهل. فالله تعالى تدخل تدخلاً إلهياً مباشراً فجعل من الحياة البايولوجية تتميز بهذا التنوع الحيوي ليكون هذا التنوع آيةً تشهد له بأنه الإله الفاعل المتفاعل الموجود بحق. فعلماء البايولوجيا التطورية لم يتمكنوا حتى يومنا هذا من التعليل لهذا الذي جعل الحياة البايولوجية تتميز بهذا التنوع الحيوي المذهل، والذي لا يوجد له أي مبرر تطوري على الإطلاق. وبذلك يتبين لنا أن الله تعالى خلق قانون “الاقتصاد في الصرف”، وجعله يخضع لقانون إلهي آخر يتسلط عليه هو قانون “التنوع الحيوي”، فكان في تفاضل هذين القانونين ما جعل الطبيعة تشهد له بأنه خالقها. وأنت إن لم تُعمل عقلك متدبراً في تفاضل هذين القانونين، فلن يكون بمقدورك أبداً أن تستوعب ما تتجلى به الحياة البايولوجية من عجائب وغرائب. كما أنك لن يكون بمقدورك أبداً أن تحيط بما انطوت عليه الطبيعة من معنى وذلك إذا لم تتدبر وقائعها وأحداثها وظواهرها بعين عقلٍ تنظر إليها فترى هذين القانونين وهما يتكاملان من بعد تفاضلٍ بينهما.
