بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
يُهاجَم التصوف من قِبل مَن يأخذون عليه ما يرونه استخفافاً من جانبه بعقل الإنسان الذي هو عندهم كينونة تستدعي التعظيم والتبجيل! والعجيب أن هؤلاء المبجلين لعقل الإنسان قد فاتهم أن ما يرونه في هذا العقل من تشريف إلهي للإنسان ميَّزه الله تعالى به على كثير من خلقه، هو في حقيقته إدانةٌ له، وذلك طالما كانت عقول الغالبية العظمى من بني آدم قد استحلت الابتعاد عن الله تعالى وعن طريق الحق الذي يطالبهم بالتحرر من عبوديتهم للنفس وهواها! ويحتج هؤلاء المبجلون لعقل الإنسان على المتصوفة أنهم يقدسون مشايخهم تقديساً لا ينبغي لهم وذلك طالما كان هؤلاء المشايخ بشراً وطالما كان الله تعالى هو وحده من هو أهلٌ للتقديس. ويبدو أن هؤلاء المهووسين بعقولهم والمفتونين بها قد فاتهم أن الله تعالى قد ذكر في قرآنه العظيم أن هناك من جمادات الوجود ما وصفه بـ “المقدس” و”المقدسة”! فلماذا نسي هؤلاء “الوادي المقدس”، و”الأرض المقدسة”: (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ) (21 المائدة)، (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى. إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى) (11-12 طه)، (هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى. إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى) (15 -16 النازعات).
ولماذا يكون حلالاً على جمادات، من مثل الوادي والأرض، أن تكون مقدسة ولا يكون إنسانٌ عابدٌ لله تعالى حق العبادة مقدساً؟! إن الله تعالى قادرٌ على أن يجعل من يشاء من عباده المقرَّبين المخلصين ذا قدسية لا تختلف في شيء عن تلك الجمادات التي قدَّسها الله تعالى فجعلها مقدسةً. ألا يجدر بمن يتوهم أنه مطيع لعقله أنى يأمره بقبول هذا والإعراض عن ذاك، أن يستدرك ما فاته ويدرك أن الله تعالى قادرٌ على كل شيء، وأن من بين تجليات قدرته، التي لا يمكن بحال لعقلٍ محدود القدرات كعقلنا البشري أن يحيط بها على ما هي عليه حقاً وحقيقة، أنه تعالى بمقدوره أن يمن على من يشاء من عباده فيجعله مقدساً؟!
