بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
يصر القائلون بالخلق اللحظي للإنسان على أنه لم يُخلق خلقاً تطورياً، خلقاً من بعد خلق وطوراً من بعد طور، وذلك على الرغم من أن القرآن العظيم قد أبانَ بآياته الكريمة، وبما لا يقبل الملاججة، عن أن الله تعالى قد خلق الإنسان خلقاً بعيداً كل البعد عن كل ما له علاقة بالخلق اللحظي من تراب إلى بشر بلمحٍ بالبصر. لنتدبر بعضاً من هذه الآيات الكريمة التي تقطع بتطورية خلق الإنسان: (ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيم. الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ. ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ. ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ) (6 -9 السجدة).
يتبين لنا بتدبر هذه الآيات الكريمة أن الله تعالى كان قد بدأ خلق الإنسان من طين. وفي هذا ما يكفي دليلاً وبرهاناً على انتفاء حدث الخلق اللحظي الذي ليس هناك فيه ما يستدعي القول ببداية الخلق، وذلك طالما كان الخلق اللحظي يتحقق بقول “كن فيكون”. كما أن تدبر هذه الآيات الكريمة بوسعه أن يبيِّن لنا المراحل التطورية والخَلقية التي تطلَّبتها خلقة الإنسان من الطين إلى أن أصبح ذا وعي يسمع ويبصر.
وعلى من يصر على المضي في القول بالخلق اللحظي للإنسان، أن يتدبر الآيات الكريمة التالية لعل أن تتبيَّن له استحالة هذه الخلقة اللحظية المزعومة: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ. ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ. ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِين) (12 -14 المؤمنون). إذاً فالله تعالى أنشأ الإنسان خلقاً آخر من بعد كل هذه المراحل التطورية التي تطلبتها خِلقته البشرية. وهذا الخلق الآخر هو ما استلزمه “التصيير الآدمي” من تدخل إلهي مباشر بنفخة “كن فيكون”؛ هذه النفخة الإلهية التي ما كان لآدم أن يتمايز عمن سبقه لولاها. فهذه النفخة الإلهية هي التي جعلت آدم في أحسن تقويم، وبذلك أصبح بها خلقاً آخر متفوقاً على مَن سبقه.
وبذلك يتبين لنا ألا موجب هناك على الإطلاق للإصرار على القول بالخلق اللحظي للإنسان، وذلك طالما كان القرآن العظيم قد قال قوله الفصل وأبان عن خلقة الإنسان التطورية خلقاً من بعد خلق وطوراً من بعد طور.
