بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
عجباً لأمر مَن أصبح يشمئز من الحيوان فيه، وهو الذي نُشِّأ على أن الإنسان منا تتجاذبه قوتان: غريزةٌ حيوانية تدفع به إلى الولوغ في الشهوات والإكثار منها، وأخرى روحانية تدعوه إلى السمو والارتقاء بعيداً عن الخوض في مستنقع الشهوة والغريزة! فكيف أصبح هؤلاء بين عشيةٍ وضحاها ينكرون ما كانوا بالأمس يدعون الناس إليه؟! هل نسي هؤلاء كيف صدَّعوا رؤوسنا بهذه “الثنائية” التي جُبل عليها الإنسان؟ وأين ذهبت تلك الغريزة الحيوانية التي أرجعوا إليها كل ما ساءهم من تصرفات وسلوكيات بني آدم؟! وكيف أصبح الإنسان فجأة بلا تلك “الثنائية” التي يسَّرت لهم أمر دعوة الناس إلى ما ظنوا أنهم قد فقهوه من دين الله تعالى؟! فهل أصبح الإنسان فجأة بلا غرائز حيوانية؟! وهل تسنى للإنسان أن يسمو فوق غرائزه الحيوانية هذه حتى تفارق خطابهم الدعوي تلك المفرداتُ ذات الصلة بهذه الغرائز؟! الأمر، كما يبدو لي، وثيق صلة بما ظن هؤلاء أنه سيكون إقراراً منهم بالأصل الحيواني للإنسان كما دعت إليه نظرية داروين في التطور البايولوجي. ولأنهم لا يمكن أن يوافقوا داروين الملحد فيما ذهب إليه من أن الإنسان والحيوان يجمعهما أصلٌ وماضٍ مشترك، فلقد كان من المحتَّم إذاً أن يُصار إلى تنحية الغرائز الحيوانية التي كان على الإنسان، قبل شيوع وذيوع نظرية التطور الدارويني، أن يتصدى لها داخلاً منه ويسمو بإرادته عليها!
وهكذا أصبح الخطاب الدعوي لهؤلاء، الذين ظنوا أنهم قد وقعوا على حقيقة الدين الإلهي، خالياً من كل ما يمكن أن يُشير من قريبٍ أو بعيد إلى الحيوان فينا! فهل من شك بعدُ في أن هكذا خطاب لا يمكن أن يعوَّل عليه، وذلك طالما صحَّ فيه ما قاله حضرة سيدنا علي كرّم الله تعالى وجهه: “لا خيرَ في ود امرءٍ متلونٍ إذا الريحُ مالت مالَ حيثُ تميلُ”.
إذاً فلا مسوِّغ لك بعد اليوم لتصغي إلى خطاباتٍ تتلون وفقاً لما تهب علينا به رياح العصر! ولتعلم أن خيرَ ما استمسكتَ به هو عروة الله الوثقى التي يقدِّمها لك جاهزةً لتتمسك بها قرآنُ الله العظيم وهديُ حضرة رسوله الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم.
