بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

أظن أنني قد تحدثتُ بما فيه الكفاية عن ماضينا الحيواني يوم كنا مخلوقاتٍ طبيعيةً نتعايش مع باقي مفردات الطبيعة وفقاً لما تقضي به قوانينها الإلهية التي كفلت لها أن تعم شريعة الله تعالى في ربوعها دون تسلطٍ لقوي على ضعيف ولا غلبةٍ إلا لقانون الله تعالى. ولقد ترك ذلك الماضي الحيواني آثاره في بُنيتنا البايولوجية والفسيولوجية فليس ينكرها إلا من توهم أن في القول بأن للإنسان والحيوان ماضياً مشتركاً ما يجعل منا نشارك الحيوان “دونيته” التي أسبغناها عليه دون وجه حق! ولكنها الحقيقة التي لا قدرةَ لأعدائها على الزعم بأنها ليست كذلك. فالحيوان فينا حقيقةٌ لا مراء فيها كما تبرهن على ذلك النظرة المتفحصة في الإنسان والحيوان. ويعزز ذلك ما بمقدور مباحث العلم المعاصر أن تجيئنا به من براهين وأدلة تقطع بهذا الأصل المشترك للحيوان والإنسان.
غير أن هذا كله لا يعدو أن يكون سوى إضافة إلى ما بوسع تدبر القرآن العظيم أن يبينه بخصوص ما يجمع بيننا وبين الحيوان من تشابه بوسعنا أن نستيقن منه بتذكرنا آياتٍ كريمة من مثل: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) (179 الأعراف)، (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا) (44 الفرقان)، (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُم) (من 12 محمد).
إذاً فالقرآن العظيم ينبئنا بنبأ يقين بأن كثيراً من بني آدم هم كالأنعام في انشغالهم بكل ما له علاقة بالأكل عن أي شيء آخر. وما هذا التشابه في السلوكيات إلا دليل وبرهان على أصلٍ مشترك وماضٍ لم يكن هناك فيه من تمايز بين الإنسان والحيوان. وهذا القرآن يريدنا أن نعلم علم اليقين أن الإنسان لم يُخلق ليكون حيواناً لا هَم له سوى الجري وراء لقمة العيش! فالإنسان قد خلقه الله تعالى مؤهلاً بكل ما من شأنه أن يعينه على الارتقاء بعيداً عن الانشغال بما ينشغل به الحيوان.
وإذا كان الحيوان فينا حقيقةً لا يجادل فيها إلا من يصر على أن “يؤدلج” نظرته إلى الواقع فيراه وقد خالطته ظنون وأوهام ما أنزل الله بها من سلطان، فإن الشجرة فينا حقيقةٌ هي الأخرى لا يماري فيها إلا كل من أعجزته الآيديولوجيا عن أن يتبين ما أحدثته فينا هذه الشجرة من نأي وابتعاد عن كل ما هو طبيعي. فالشجرة حاضرةٌ فينا بهذا الإصرار منا على المخالفة عن قوانين الله تعالى التي أطاعتها الطبيعة فكانت حياة كائناتها، مثالاً على ما بمقدور الانضباط وفق شرع الله أن يجيئنا به من تناغم وانسجام مع كل ما هو طبيعي.
والشجرةُ فينا حاضرةٌ كما يبرهن عليه هذا الذي نحن عليه من شذوذ عن الطبيعة وتناشزٍ معها كما يتجلى في إفسادنا في الأرض وسفكنا للدماء وتلويثنا للبيئة براً وبحراً وجواً.
وإذا كان الله تعالى لم يخلقنا لنأكل كما تأكل الأنعام، ولا لنكون أضل منها سبيلاً، فإنه كذلك لم يخلقنا لنبقى أسرى ما جرَّته علينا أكلة أبوينا آدم وحواء من شجرة الجنة التي نُهيا عنها. لقد خلقنا الله تعالى لنسمو ونرتقي فوق الحيوان فينا، والشجرة فينا، فيحقق الواحد منا بعبادته لله تعالى ما خُلق ليكونه: إنساناً كاملاً في أحسن تقويم. وكل محاولة للارتقاء بعيداً عن ماضينا الحيواني وأصلنا الفضائي الذي تعيَّن علينا أن نحمله على ظهورنا جراء أكل أبوينا من تلك الشجرة الفضائية، لا تتخذ عبادة الله تعالى وسيلتها الوحيدة، مقدَّر لها أن تُبقي صاحبها أبد الدهر يعاني مما فيه من “حيوان” و”شجرة”!
إذاً فإن إصراري على التذكير بما يجمع بيننا وبين الحيوان من ماضٍ وأصلٍ مشترك، وعلى التنبيه إلى ما تضرر فينا جراء تلك الشجرة، إنما هو في حقيقته شدٌّ للعزائم كيما نغذ السير على طريق الله بكل ما أوتينا من قوة نستعين بها على عبادته تعالى كما أمرنا. وكل من يظن ويتوهم أن الإنسان قد أمره الله تعالى بعبادته دون أن يكون هناك من علة، وُصفت هذه العبادة لعلاجها، إنما هو يقول باطلاً، وذلك لأن الإنسان ما كان ليؤمر بعبادة الله تعالى لو أنه لم يكن معتلاً سقيماً. ولقد ذكرتُ في منشور سابق أن الله تعالى أسكن آدم وزوجه الجنة ولم يأمرهما بعبادته، وأن كل ما كان يتعين عليهما أن يقوما به لم يكن ليتجاوز أن يأكلا حيث شاءا رغداً.
