بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
بالغ أصحاب المقاربة التقليدية للقرآن العظيم في تحميل كلمة “الخليفة” ما لا طاقة لها به. وهذا إن دل فإنما يدل على ما يعتمل داخلاً منهم من تطلعاتٍ تفوح منها رائحة عشق السلطة والرياسة! فالخليفة عند هؤلاء هو الإنسان الذي خلقه الله تعالى ليعمر الأرض وليتسيَّد على مخلوقات الله تعالى فيها! وهذه مقاربة غير موفَّقة للآية الكريمة 30 من سورة البقرة (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً). فالخليفة هنا هو آدم وزوجه وليس الإنسان بعامة، كما يظن هؤلاء المقارِبون غير الموفَّقين. والأمر لا علاقة له من قريبٍ أو بعيد باستخلاف الإنسان في الأرض لغرض عمارتها كما يزعم هؤلاء الذين يأبون إلا أن يُسيِّسوا آي القرآن العظيم، وذلك لغرضٍ في قلوبهم لا يخفى على اللبيب! واستخلاف آدم وحواء يمكننا أن نقاربه من بعد أن نتذكر ما جاء به قرآن الله العظيم من آياتٍ كريمة تحدَّثت عن الاستخلاف بالمعنى الذي بالإمكان الوقوع عليه بتدبُّرنا الآيات الكريمة التالية: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ(13)ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُون) (13 -14 يونس)، (هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ) (من 39 فاطر).
وبذلك يتبيَّن لنا أن استخلاف آدم وحواء كان بالإبقاء عليهما من بعد الإجهاز والقضاء على قومهما الذين وصفتهم الملائكة بأنهم مفسدون في الأرض يسفكون الدماء (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (30 البقرة). وهذا هو ما بوسعنا أن نتبيَّنه بتدبُّر ما جاءنا به القرآن العظيم من نبأ قوم هود وقوم صالح وقوم لوط وقوم شعيب وقوم نوح، الذين أُبيدوا عن بكرة أبيهم إبادةً شاملة فلم يتم الإبقاء إلا على قلة قليلة استُخلِفوا في الأرض من بعد إهلاك الله تعالى لأقوامهم. وتلك القلة القليلة كانت أنبياء الله والذين آمنوا معهم.
وهكذا يكشف استخلاف آدم وحواء في الأرض عن حقيقة متضمَّنة في سياق آية الخليفة من سورة البقرة. وهذه الحقيقة هي أن الله تعالى، باستخلافه آدم وحواء، كان قد أباد قومهما كما كان سيفعل لاحقاً مع أقوام كثيرين من الأنبياء عليهم السلام ممن ذكرهم القرآن العظيم وممن لم يذكرهم. وهنا لابد من الإشارة إلى أن إهلاك الله تعالى لقوم آدم وحواء، وإبادته لهم عن بكرة أبيهم، هي التي تسببت في محو سجلهم الأحفوري، الأمر الذي أدى إلى اختفاء أي أثر لهم بالإمكان الرجوع إليه. وهذا هو الذي أدى إلى ظهور الحلقة المفقودة Missing Link. وهذه الحلقة المفقودة دليلٌ على أن ما تحدَّثت عنه الآية الكريمة 30 من سورة البقرة ضمناً هو أمرٌ قد وقع، وذلك لأن الإبادة الإلهية الشاملة لقوم آدم وحواء هي التي بإمكانها أن تتسبب في اختفاء أي أثر لهم يمكن اقتفاؤه والرجوع إليه لإكمال السجل الأحفوري لنشوء وارتقاء الإنسان.
