“عند الله”

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُيُنبؤنا القرآن العظيم بنبأ يقين أن الله تعالى له تواجدٌ في هذا الوجود خفي لطيف. وهذا التواجد الإلهي الخفي اللطيف تنبؤنا عنه آياتٌ كريمة كثيرة، ومنها: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) (من 4 الحديد)، (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيد) (من 16 ق)، (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) (من 186 البقرة)، (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ) (من 3 الأنعام)، (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) (من 255 البقرة)، (ألا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ) (من 54 الزخرف)، (وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا) (من 126 النساء)، (إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ) (من 61 هود).

كما وأنبأنا القرآن العظيم أيضاً بأن الله تعالى استوى على العرش من بعد أن خلق السموات والأرض، وأنه إليه يصعد الكَلِم الطيب والعمل الصالح يرفعه، وأنه إليه تعرج الملائكة والروح، وأن سيدنا جبريل عليه السلام يعرج إليه من بعد أن يدبِّر الأمر، وأن السموات تكاد يتفطرن من فوقهن، وأن الملائكة يخافون ربهم من فوقهم: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) (من 54 الأعراف)، (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ) (من 10 فاطر)، (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) (5 السجدة)، (تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ) (4 المعارج)، (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ(49)يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (49 -50 النحل).

إذاً فالله تعالى له وجود خارج السموات والأرض كما أن له تواجداً فيهما. وعقلنا البشري عاجز عن أن يفقه كنه هذا الوجود عجزه عن أن يحيط بما يعنيه ذلك التواجد. كما وأن هذا القرآن قد أنبأنا بأن هناك مكاناً في الوجود هو الأقرب إلى الله تعالى المستوي على عرشه خارج هذا الوجود. ولقد أشار القرآن العظيم إلى هذا المكان العلوي بأنه “عند الله”، وذلك ما بوسعنا أن نتبيَّنه بتدبرنا الآيات الكريمة التالية: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) (169 آل عمران)، (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُون) (206 الأعراف)، (فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ) (من 38 فصلت)، (ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى(6)وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى(7)ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى(8)فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى. فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى. مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى. أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى. وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى. عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى. عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى. إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى. مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى. لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى) (15 -18 النجم). وهذا المكان العلوي، الأقرب إلى عرش الله تعالى، هو جنة السماء السابعة التي أُسكنها آدم وحواء، وهي جنة المأوى ذاتها التي عُرج بحضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم إليها، وهي جنة الذين قُتلوا في سبيل الله يحيون فيها ويُرزقون. ولقد جاء ذكر هذه الجنة ضمناً في الآية الكريمة 2 من سورة الأنعام (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُون). فآدم وحواء كانا قد أُسكنا هذه الجنة وقضيا هناك أجلاً عند الله تعالى، وكان ما كان من أكلهما من الشجرة التي نُهيا عنها، مما استدعى وجوب أن يهبطا منها إلى الأرض مرةً أخرى. وهذا الأجل المسمى هو المدة التي قضاها آدم وحواء في تلك الجنة.

أضف تعليق