الاستخلاف في الأرض

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

تحدثت في منشوراتٍ سابقة عن مقاربتي للآية الكريمة 30 من سورة البقرة (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ)، وذكرتُ أن استخلاف آدم في الأرض كان من بعد إهلاك قومه الذين كانوا يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء. وهذه المقاربة للاستخلاف في الأرض تُمكِّننا من أن نتدبر الآية الكريمة 55 من سورة النور (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) فنقرأها متبيِّنين ما انطوت عليه من معنى متضمَّن يُضاف إلى معناها المتبدِّي والمتجلِّي. فما هو متضمَّن في هذه الآية الكريمة هو إهلاك الله تعالى لعدو الذين آمنوا وعملوا الصالحات إهلاكاً يتيح لهم أن ينعموا بالاستخلاف في الأرض من بعده. ونحن إذا ما تدبَّرنا ما جاءنا به القرآن العظيم من آياتٍ تتحدث عن الاستخلاف، فلن يفوتنا أن نتبيَّن هذه التصاحبية التي تجعل من استخلاف الذين آمنوا وعملوا الصالحات في الأرض أمراً يترتب من بعد تحقق إهلاك عدوهم. لنتدبر بعضاً من هذه الآيات الكريمة: (ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) (من 14 يونس)، (قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) (من 129 الأعراف)، (وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِين) (133 الأنعام).

إذاً فالخليفة في الأرض هو مَن يُستخلف فيها من بعد أن يُهلك عدوه. والاستخلاف في الأرض لا يتحقق إلا من بعد إهلاك هذا العدو. وهذا ما بوسعنا أن نتبيَّنه بتدبُّر ما حدث لأقوام الأنبياء، نوح وهود وصالح ولوط وشعيب، عليهم السلام. وبذلك يتبيَّن لنا ألا صحةَ هناك على الإطلاق لما ذهبت إليه المقاربة التقليدية للخليفة في الأرض، والتي ضمَّنت الاستخلاف في الأرض معنى لا علاقة له من قريبٍ أو بعيد بإهلاك العدو، وذلك بذهابها إلى ما جعل من الاستخلاف في الأرض يعني عمارتها والسيادة فيها.

أضف تعليق