نواقض التوحيد

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

سورة الإخلاصيبالغ مُسيِّسو الإسلام في تحميل مفرداته الإلهية ما لا طاقةَ لها به، وذلك للتسويغ لخطابهم السياسي الذي يظنون أن بإمكانهم أن يُسوِّقوه تفسيراً وحيداً لدين الله تعالى، يُمكِّنهم من خداع العامة وذلك ليقفزوا على أكتافهم إلى السلطة مبتغاهم الوحيد ومرادهم الحقيقي! ولقد توسل هؤلاء مقاربةً للتوحيد ظنوا أنها تُمكِّنهم من عقول مَن انخدع بخطابهم السياسي من عامة أفراد أمتنا المبتلاة بهم. فالتوحيد عند هؤلاء، المُسيِّسين للدين، يقتضي تصويراً لله تعالى ما أنزل الله به من سلطان. وهم بهذا التصوير يُخالفون عما جاء به القرآن العظيم من تصوير إلهي لله تعالى لا يشترط موافقة العقل له. فاللهُ وفقاً للقرآن العظيم هو غير “الله” الذي يريدنا هؤلاء الجُهال بالدين أن نشاركهم ظنهم الواهم به. فهؤلاء الموحِّدون لله توحيداً يقتضيه العقل ولا يتفق معه ما جاء به النقل، خرجوا علينا بأراجيف يريدوننا أن ننخدع بها كما خدعتهم أنفسهم بها، فنقول إن الله تعالى قد قصر تدخله الإلهي في أعمال الوجود على ذاته العلية فلا أسباب هناك يحتجب من ورائها علةً لما يحدث في هذا الوجود من وقائع وأحداث وظواهر! وهذا في تصورهم هو التوحيد الخالص، طالما كان الله تعالى هو الفاعل دون أسباب! ولقد فات هؤلاء أن الله تعالى يفعل في الوجود ما يشاء، وأن مشيئته الإلهية قد اقتضت أن يكون هناك تدخلاتٍ إلهيةً غير مباشرة من وراء حجابٍ من الأسباب، كما أن هناك لله تدخلاتٍ إلهيةً مباشرة دون أسباب. وهؤلاء يقولون، جهلاً وافتراءً على الله تعالى، إن الله تعالى ما كان له أن يوكل إلى أحد من خلقه أية مهمةٍ من المهام التي ظن هؤلاء أن “التوحيد الخالص” يوجب على الله تعالى أن يتكفل هو بنفسه بكل واحدةٍ من هذه المهام! وهكذا فقد أخفق هؤلاء الجُهال بقرآن الله العظيم في تبيُّن ما يقتضيه التوحيد الحق لله تعالى من إرجاع كل أحداث هذا الوجود إلى الله تعالى علةً ما كان للأسباب التي خلقها الله تعالى، وكفَّلها تسيير هذه الأحداث، أن تُسيِّرها لولا وقوف الله تعالى من وراء هذه الأسباب بتلك العلة التي تُمِد كل سبب بما يحتاج إليه من الطاقة والمدد.

ولو أن هؤلاء الجُهال بدينهم تدبَّروا القرآن العظيم، لتبيَّن واحدهم هذه الحقيقة التي انطوى عليها توحيد الله تعالى الحق، ولما نقضوا توحيدهم المزعوم بأنفسهم كالتي نقضت غزلها من بعد قوةٍ أنكاثاً! فاللهُ تعالى هو الفاعل الحقيقي، وإن أوكل الأمر إلى أسبابٍ خلقها وتوارى محتجباً من ورائها علةً لا قدرةَ لهذه الأسباب على الفعل في الوجود بدونها. وقرآن الله تعالى يُنبؤنا بأن هناك من الأفعال ما يشير إليها هذا القرآن بأنها من فعل الله تعالى تارة، ويشير إليها تارة أخرى فيقول عنها إنها من فعل الملائكة. فهل في هذا ما يناقض ما ينبغي أن يكون عليه توحيد الله تعالى؟! بكل تأكيد فإن الإجابة هي نفي قاطع. فالله هو الفاعل الحق وإن كان قد أوكل هذا الأمر أو ذاك إلى ملائكته الكرام ليتكفلوا بالقيام به بأسبابٍ خلقها وتوارى من ورائها محتجباً بحجاب هذه الأسباب. أفلم يخبرنا هذا القرآن بأن الله تعالى يتوفى الأنفس في آيات كريمة، منها (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا) (من 42 الزمر)، وأخبرنا في آيات كريمة أخرى بأن من يتوفى الأنفس هو ملَك الموت عليه السلام وغيره من الملائكة عليهم السلام؟ (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ)، (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ) (61 الأنعام). فهل في هذا ما يتناقض مع ما يقتضيه التوحيد؟!

ثم ألم يذكر القرآن العظيم أن أعمال بني آدم تكتبها الملائكة (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) (80 الزخرف)؟ فهل في هذا ما يتناقض مع التوحيد، كما يزعم هؤلاء الذين يقولون بأن الله تعالى لم يوكل أمور خلقه إلى أحد غيره؟! فالقرآن العظيم يُعلِّمنا أن الله تعالى هو الذي يقوم باستنساخ أعمال بني آدم، وإن كان الملائكةُ هم من يكتبون هذه الأعمال (هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (29 الجاثية).

ثم مَن الذي أهلك مَن حقَّت عليهم كلمةُ العذاب؟ فالقرآن العظيم تارةً يُخبرنا بأن اللهَ تعالى هو الذي قام بإهلاك هؤلاء الظالمين، وتارةً أخرى يخبرنا بأن الأمر قد تكفَّلت به ملائكةُ العذاب، ومثال ذلك: (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ) (31 العنكبوت).

ثم ألم يأمر الله تعالى ملائكته الكرام عليهم السلام بمحاربة الكفار وبمقاتلتهم؟! (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ) (12 الأنفال). فهل ينقض التوحيد أن تقوم الملائكةُ بما أمرها اللهُ تعالى؟! فاللهُ تعالى أخبرنا بأنه هو الذي قتل الكفار وهو الذي رمى، وليس في هذا ما يتناقض مع قيام الملائكة بمقاتلة وقتل الكفار، وذلك لأن الله تعالى وإن كان قد أوكل الأمرَ إلى ملائكته الكرام عليهم السلام، فإنه هو الفاعل الحقيقي من وراء حجاب الأسباب.

ثم ألم يذكر الله تعالى في قرآنه العظيم أنه هو الذي أنزل هذا القرآن، ثم يعود فيقول في مواطن أخرى (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ. بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (192 -195 الشعراء)؟

إذاً فلا يقدح في التوحيد لله أن يكون الله تعالى قد أوكل إلى بعض خلقه مهاماً كفَّلهم إياها وكان هو المُمِد من وراء الحجاب بالطاقة التي ما كان لهم أن يؤدوا هذه المهام على أكمل وجه لولاها.

وبذلك يتبين لنا أن ما ذهب إليه مُسيِّسو الإسلام، من تحديدٍ للتوحيد الخالص بمحدِّدات صاغوها من عند أنفسهم، إنما هو خوضٌ في الباطل لا يُرتجى منه نفع ولا يتأتى عنه هدى.

أضف تعليق