دعوة لقراءة مؤمنة لكتاب “في أصل الأنواع”

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

في أصل الأنواعليس كل العلم سواء. فمن العلم ما هو أقرب إلى الجهل منه إلى العلم. وهذا هو العلم المؤدلج الذي هو نتاج قراءةٍ للظواهر والتجارب بعين عقلٍ يصر على أن ينظر إليها فيرى فيها براهين على أن الوجود قائمٌ بذاته دونما حاجةٍ إلى الله تعالى. ويخطئ كل من يظن أن الظواهر والتجارب تملك أن تقول بما يقوله العلماء المنظِّرون الذين وظَّفوها في سياق إلحادي توهَّموه لسان حالها الوحيد! فالظواهر والتجارب “أحداثٌ حيادية” لا تملك أن تنفي وجود الله، كما لا تملك أن تبرهن على وجوده تعالى. وأنت بمقدورك أن تُقوِّل ظواهر الوجود وأحداثه فتجعلها تقول ما شئت، إن كان ذلك إيماناً بالله أو إلحاداً به. ولكن السائد اليوم هو “المقالة الإلحادية” التي يريدنا كثير من العلماء أن نصدِّق أنها المقالة الوحيدة التي بوسعنا أن نستنطق ظواهر الوجود وأحداثه فلا نسمع منها غيرها. ولو أن هؤلاء العلماء أنصفوا لبيَّنوا أن هذه المقالة الإلحادية ما هي إلا إحدى مقالتين ثانيهما مقالةٌ مؤمنةٌ لا تقل عنها حيازةً لما يمكن أن يجعل منها حقيقةً.

وهكذا فإن كتاب داروين الشهير “في أصل الأنواع”، لا يمكن أن تكون القراءة الإلحادية له هي القراءة الوحيدة، وذلك كما يريدنا أن نتوهم علماء البايولوجيا التطورية الذين ظنوا أن ما جاء في هذا الكتاب لا يمكن على الإطلاق أن يُقرأ قراءةً مغايرة تقول بعكس ما انتهت إليه قراءته الإلحادية التي توهَّم هؤلاء أنها القراءة الوحيدة له. فهذا الكتاب حافلٌ بالعديد من “البيِّنات” التي بإمكان القراءة المؤمنة بالله لها أن تجد فيها ما يذهب إلى القول بخلاف ما انتهى إليه داروين ومن لفَّ لفَّه من العلماء. وهكذا يكون بمقدورنا أن نفيد من هذا الجهد المعرفي العظيم الذي يمثِّله هذا الكتاب، وذلك من بعد غربلةِ ما جاء فيه غربلةً تُنقيِّيه من كل أدلجة وتنظير فلا تُبقي إلا على الظاهرة الخالصة والملاحظة الصرفة دون أن يخالطهما ما افترضه داروين من فرضيات تروِّج للإلحاد وتسوِّق لـ “التطور الذاتي” لا لـ “التطوير الإلهي”.

عندها سيتبيَّن لنا أن ما جاء به هذا الكتاب من حشدٍ خِضم من الملاحظات، البريئة من كل تنظير، بوسعه أن يؤسس لداروينية مؤمنة بالله تمهِّد السبيل لـ “بايولوجيا تطويرية” تخلف “البايولوجيا التطوُّرية” السائدة. وسوف يستدعي الأمر وجوب الانتباه إلى ما أغفله داروين من تناشزات صارخة بين الإنسان والحيوان، وذلك ليُصار إلى تقديم تصوُّر أكثر واقعية من التصور الحالي للإنسان يعتمد ما يوجد بينه وبين الحيوان من شديد تشابه ولا يطَّرح ما يُفرِّق بينهما من عظيم تناشز. وستقدم هذه “البايولوجيا التطويرية” تصوراً جديداً مغايراً لما بين أيدينا اليوم من معارف عجزت عن تشخيص المشكلة الحقيقية التي يعاني منها الإنسان، عجزها عن تقديم الحل الذي بوسعه أن ينتشله مما هو فيه من بؤسٍ وشقاء وعناء.

أضف تعليق