التصوف وظواهر الوجود غير المألوفة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

4fe8275e6a24dd70ef6b5f1f6953ee67-1905005275.jpgانتهيت في المنشور السابق إلى أنه بالإمكان القيام بقراءة مؤمنة لنظريات العلم، وذلك طالما كانت ظواهر العلم وتجاربه محايدةً فليس لها بالتالي أن تقول ما يريدنا كثير من العلماء أن نظن ونتوهم أنه قولها الفصل. وهذا المشروع المعرفي بمقدوره أن يقدم لنا قراءة مغايرةً لنظريات العلم تعزز النظرة المؤمنة إلى الوجود، والتي تنطلق من إقرارٍ بأن لهذا الوجود إلهاً هو الله تعالى أعطى كل شيء فيه خلْقه ثم هدى. وإذا كان هذا المشروع المعرفي قائماً على أساسٍ من التعامل المؤمن مع ظواهر الوجود التي انشغل بها العلم المعاصر، وهي ظواهر لا تملك إلا أن تكون محايدةً بين الإلحاد والإيمان، فإن هناك مشروعاً معرفياً آخر بالإمكان التأسيس له، وذلك بدراسة ما في الوجود من ظواهر غير مألوفة استعصت على العلم المعاصر فلم تمكِّنه من أن يستوعبها داخلاً من منظومته النظرية بالتعليل لها وفق ما انتهت إليه نظرياته التي أسس لها وصاغها بمدادٍ من الكفر والإلحاد. فهذا الوجود لا يقتصر على ما ألفناه من ظواهر ظن العلم المعاصر وتوهم أنها كل ما فيه من ظواهر.

ومن بين هذه الظواهر المستعصية على التعليل العلمي، تبرز كرامات أولياء الله تعالى متسيدةً هذا المشهد الذي أعجز العلم المعاصر وكشف النقاب عن كونه أقرب إلى الميتافيزيقا منه إلى العلم التجريبي- الاختباري. وبذلك يكون بمقدور التصوف أن يضطر العلم المعاصر إلى وجوب الإقرار بأن عجزه عن التعليل لكرامات أولياء الله تعالى لابد وأن يجعله يعيد قراءة مشروعه المعرفي القائم على الكفر والإلحاد قراءةً يتبين له من بعدها ألا ضيرَ هناك من القول بوجود الله تعالى، بل أن المنطق العلمي يوجب أن يقدِّم هذا العلم نصيحته بوجوب القول بوجود الله تعالى. فكرامات أولياء الله تعالى ظواهر غير محايدة، وذلك طالما لم يكن لها إلا أن تقول بأن الله تعالى موجود، وإنها ما كانت لتخرق المألوف لولا مدده الإلهي الذي تسنى لها أن تحدث بموجبه. وبعد كل هذا الذي بمقدور التصوف أن يجيئنا به من كرامات أولياء الله تعالى، نجده يُهاجَم من قبل مَن لا يملكون إلا أن يطأطئوا رؤوسهم أمام علماء العصر إقراراً منهم بعدم المقدرة على محاورتهم، وبما يجعل منهم يُقرُّون بأن للوجود إلهاً هو الله تعالى!

أضف تعليق