بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
يُفاخر الإلحاد بأنه قد أعجز الخطاب الديني، وذلك بقدرته على محاورته ومقارعته الحجة بالحجة في جدالٍ عقيم لا ينتهي! وما ذلك إلا لأن الخطاب الديني يعتمد في محاججته الخطاب الإلحادي مفرداتٍ لا يتفق هذا معه على كونها إلهيةً فلا تُضارعها فتُناقضها وتنقضها حجة. فالخطاب الديني يستند في محاورته الخطاب الإلحادي على القرآن العظيم وأحاديث حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم. وإذا كان كل من هذا القرآن، وهذه الأحاديث الشريفة، مقدساً من منظور الخطاب الديني، فإنها ليست كذلك كما ينظر إليها فيراها الخطاب الإلحادي. وبذلك يستحيل على أصحاب كلا هذين الخطابين أن تصل بهم المحاججة إلى نتيجةٍ تشفي الغليل، ناهيك عن أن استمرار كلا الفريقين في خوض هكذا محاججة سوف يفضي بهما إلى ملاججةٍ تثير الأعصاب وتهيج الضغائن وتسعِّر نار الأحقاد!
فما السبيل إذاً إلى خوض حوارٍ غير عقيم بين هذين الخطابين المتناقضين بالضرورة؟ بدايةً لابد وأن أشير إلى أن هذا الحوار قد فرضه الله تعالى على الأمة المحمدية بالآية الكريمة 125 من سورة النحل (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ). ولقد حددت هذه الآية الكريمة معالم السبيل إلى خوض هكذا حوار مع الملحدين، وذلك بتقديمها الحكمة على الموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن. والحكمة في سياق الحوار مع الملحدين تعني كل ما يُعجزهم عن الاستمرار في المقارعة بالحجج المنطقية، وذلك بسبب من كون ما تضطرهم إلى التعليل له هو ظواهر ليس لما بين أيديهم من علم القدرة على استيعابها وفقاً لما تأتَّى لنظريات هذا العلم أن تحيط به من مألوف ظواهر الوجود. وبذلك يقدِّم التصوف لكل مَن يريد أن يفحم من كان ملحداً ما يمكِّنه من إقامة الحجة لله تعالى عليه، وذلك من خلال الاستعانة بكرامات أولياء الله تعالى التي لا قدرةَ لما بين أيدي هؤلاء الملحدين من علم على التعليل لها، ناهيك عن الإتيان بمثلها. وهكذا يتبيَّن لنا مرة أخرى ما للتصوف من عظيم دورٍ في التصدي لخطاب الإلحاد وهزيمته في عصرٍ يُفاخر أسياده بأنهم ما تسيَّدوه إلا بهذا العلم الذي بوسع كرامات الله تعالى أن تعجزه فتضطره إلى وجوب الإقرار بعجزه المطلق عن أن يمد الخطاب الإلحادي بما يمكنه من الاستمرار في محاججة خطاب الإيمان فينتهي به الأمر لا محالة إلى التراجع والتقهقر والانهزام.
وبعد هذا كله ينبري نفر ضال جاهل من أبناء الأمة ليُناكف التصوف ويناصبه العداء وهو لا يدري أنه يستطيع بهذا التصوف أن يدحر الإلحاد بضربةٍ قاضية لن تقوم له بعدها قائمة أبداً.
