بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
ما هو أكثر ما يميز الإنسان عن غيره من ملايين المخلوقات البايولوجية؟ قد يسارع البعض إلى الإجابة بأنه العقل الذي جعل الإنسان يتسيَّد الكرة الأرضية بكل ما مكَّنه من الوصول إليه والحصول عليه من تقنيات وتسهيلات يسَّرت له العيش سيداً بلا منازع. إلا أن واقع الحال يقول بخلاف ذلك، وذلك لأن هذا العقل الجبار لم يمكِّن الإنسان من إحكام سيطرته على ما يعتمل داخلاً منه فيجعل منه في أحايين كثيرة يقترف من سيء الأعمال ما يجعله غير أهل لأن يوصف بأنه “إنسانٌ عاقل” Homo Sapiens. وهذا هو عين ما أنت واجده في بطون كتب التاريخ التي سطرت ما جنته يدا هذا الإنسان على مر العصور وتعاقب الدهور.
فلماذا إذاً تميَّز الإنسان بهذه العدوانية المفرطة؟ إن نحن التجأنا إلى علماء البايولوجيا التطورية، فلن يكون بمقدور واحدهم أن يجيبنا إجابةً شافيةً تستند إلى الماضي التطوري للإنسان، كما يظن هؤلاء أنهم قد أحاطوا بتفاصيله كلها جميعاً. وهكذا تبقى هذه العدوانية المنفلتة لغزاً مستعصياً على أية مقاربة لا تعتمد إلا ما بين أيدينا من علم. ولن يكون بمقدورنا أبداً أن نتبين العلة التي جعلت من “الإنسان العاقل” إنساناً مفرط العدوانية، إلا إذا ما نحن التجأنا إلى قرآن الله العظيم نستبنأه عن هذا الذي حدث فجعل من هذا الإنسان أكثر المخلوقات البايولوجية قدرةً على الإفساد في الأرض وسفك الدماء. فهذا القرآن ينبؤنا بأن أول ما نجم عن أكل أبوينا من الشجرة التي نُهيا عنها، هو سريان “العدوان غير المنضبط” في عروق ذريتهما متسللاً إلى جينات كل فرد من أفرادها إلى يوم الدين. وهذا ما بوسعنا أن نتبيَّنه بتدبر الآيات الكريمة: (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) (36 البقرة)، (قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِين) (24 الأعراف)، (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى) (123 طه).
إلا أن هذا لا يعني على الإطلاق أن ذرية سيدنا آدم عليه السلام محكومٌ عليها بوجوب أن تعاني جراء هذا “الاعتلال” دون أن يكون هناك من أمل بوصول الإنسان إلى ما يجعل منه كائناً “منضبط العدوان” وفق ما أقرَّه القرآن العظيم بأن لا عدوان إلا على الظالمين. فالله تعالى قد أنعم على ذرية سيدنا آدم عليه السلام بدينه الإلهي الذي ضمَّنه كل ما هو كفيل بجعل من ينضبط بضوابط هذا الدين ومحدداته قادراً على ضبط ما في داخله من نوازع العدوان فلا يكون مفسداً في الأرض سفاكاً للدماء.
