الجنس ولاطبيعية الإنسان

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

tree of lifeكيف يريدنا علماء البايولوجيا التطورية أن نؤمن لهم ونصدِّق روايتهم التي خُيِّل إليهم أنها حقيقة ما حدث فجعل من الإنسان ينتهي به الأمر، من بعد رحلةٍ طويلة في عالم التطور نشوءاً وارتقاءً، إلى هذا الذي هو عليه اليوم؟! فهؤلاء العلماء ليس لهم أن يتوقعوا منا السمعَ والطاعةَ لهم، وذلك طالما حاد الواحد منهم وانحرف عن جادة المنهاج العلمي القويم بهذا الإغفال منه لكل ما شذ به الإنسان وتناشز مع الطبيعة التي يزعم هؤلاء أنه نشأ عنها وتطور في ربوعها. ولو أن الإنسان كان حقاً نتاج وسليل هذا النشوء والارتقاء في عالم الطبيعة كما نعرفها، فلماذا لا نجد إذاً تطابقاً تاماً بينه وبين غيره من مفردات هذه الطبيعة؟! فليس من “العلمي” أن نلحظ ما بين الحيوان والإنسان من شديد تشابه، ونغفل في الوقت عينه ما يفرِّق بينهما من عظيم تباين!

ولعل واحداً من أعظم ما يتناشز به الإنسان عن الحيوان هو هذا الهوس والافتتان بالجنس كما يتجلى لنا بتدبرنا ما بين أيدينا وما خلفنا من سلوكيات هذا الإنسان. فالجنس في عالم الحيوان مقنن بضوابط ومحددات، شأنه في ذلك شأن كل فعالية من الفعاليات الحيوانية التي ما كان للحيوان أن يقوم بها هكذا ومن دون هذا “التقنين الإلهي” الذي فرضه الله تعالى على الطبيعة، ففرضته بدورها على كائناتها كلها جميعاً دونما استثناء، وذلك حتى لا يكون هناك هدر ولا إسراف فيجيء كل شيء بقدر ومقدار. وهكذا كان الجنس في عالم الطبيعة فعاليةً مقننةً هادفة. فالهدف من وراء الجنس في عالم الطبيعة هو لا أكثر من فعاليةٍ الهدف من ورائها نشر الحياة البايولوجية في عموم أرجاء كوكب الأرض. ولذلك كان الجنس في عالم الطبيعة منضبطاً بمحدداتٍ إلهية قننته فجعلته محدود الأمد بمواسم معينة، وفقما تقتضيه الحاجةُ إلى بث ونشر هذه الحياة البايولوجية.

ولك أن تقارن هذا الانضباط والتقنين بما هو عليه الحال في عالم الإنسان؛ فلا يحتاج الأمر مني إلى توضيح، ولا إلى إيراد أمثلة، ليصار إلى تبيُّن الفرق ما بين الإنسان والحيوان، وذلك على قدر تعلق الأمر بالفعالية الجنسية لكل منهما. إذاً فما الذي حدث فجعل من الإنسان يخرج على الطبيعة بهذا الافتتان الجنسي المميز له؟ فمجافاة الإنسان لكل ما يحد من هوسه بالجنس، لا يمكن أن يكون أمراً طبيعياً، وذلك طالما كان في ذلك من الهدر والإسراف ما يتناقض مع ما نجده في عالم الطبيعة من تقنين واقتصاد. فلماذا إذاً كان بوسع الإنسان أن يتحرر من هذا التقنين فلا ينضبط بمحددات وضوابط الطبيعة ولا يكون له رادع يردعه عن الاستزادة من الجنس غير ما افترضه هو من ضوابط اجتماعية فرضتها قوانين أوجبتها ضرورة تنظيم هذا الأمر حتى يجيء متوافقاً قدر الإمكان مع شرع الله تعالى وما تقضي به الضرورات الوضعية؟

إن التجاءنا إلى علماء البايولوجيا التطورية للإجابة على ما تقدم من أسئلة لن يجدي نفعاً، وذلك طالما كان هؤلاء العلماء عاجزين عن أن ينظروا إلى الإنسان بغير عين عقلٍ لا تراه إلا حيواناً متطوراً ليس إلا! فالحيوان لا يمكن أن يكون كل ما انطوى عليه ماضي الإنسان من مسيرة نشوء وارتقاء وتطور، وذلك طالما كان هذا الإنسان يتناشز مع كل حيوان على هذه الأرض تناشزاً لا سبيل للتعليل له على الإطلاق بالرجوع إلى ما يوحِّد بينهما من ماضٍ تطوري مشترك فحسب.

إذاً فكيف يمكننا أن نعلل لما هو عليه هذا الإنسان من شديد افتتان بكل ما هو ذو صلة بالجنس، إذا كان ماضينا التطوري هو حقاً كما يظن علماء البايولوجيا التطورية أنهم قد وقعوا عليه؟ لا أحد بمقدوره أن ينتشلنا من هذه الحيرة المعرفية إلا الله تعالى الذي علَّم الإنسان بقرآنه العظيم ما لم يعلم. ففي هذا القرآن ما يمكِّننا من أن نتبيَّن أن ما صار وانتهى إليه الإنسان لا يمكن على الإطلاق أن يُقصر على ما في ماضيه من نشوء وارتقاء وتطور في عالم الطبيعة الأرضي هذا. فهذا الإنسان كان عليه أن يغادر هذه الأرض إلى كوكب آخر أُسكنه ثم كان عليه أن يغادره ويعود إلى هذه الأرض من بعد ما حدث لآدم وزوجه فيه بأكلهما من الشجرة التي نُهيا عنها. فلقد أنبأنا هذا القرآن أن تلك الشجرة قد أضرَّت بأبوينا وتضررنا كلنا جميعاً جراء أكلهما منها. وإذا كان ما صرَّح به قرآن الله العظيم من ذلك الضرر والتضرر قد اقتصر على سقوط الغطاء الشعري المغطي لبدنَي أبوينا، وعلى العداوة البينية التي تعيَّن علينا أن نعاني منها فيعادي بعضنا بعضاً، فإن ما نحن عليه من “لاطبيعية” يجعلنا لا نذهب بعيداً إذا ما قلنا بأن تلك الشجرة هي العلة من وراء لاطبيعيتنا هذه.

وهكذا يتبين لنا أن ما عجزت عنه البايولوجيا التطورية من تعليلٍ لهذا الذي هو عليه الإنسان من هوَس وافتتان بالجنس، قد سبقها إلى تبيانه قرآن الله العظيم الذي أنزله الله تبياناً لكل شيء.

أضف تعليق