بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
انتهيت في المنشور السابق إلى أن بإمكاننا أن نشير إلى تلك الشجرة الفضائية التي أكل منها أبوانا على أنها “شجرة العقل”، وذلك لما كان لها من أثرٍ بالغ في “تحرير” العقل الآدمي من محدداته الطبيعية، الأمر الذي أدى إلى تمكين ذرية سيدنا آدم عليه السلام من ناصية “التفكير المستقل”، والذي جعل بمقدورهم أن يفكِّروا خارج صندوق الطبيعة. فالحيوان لا يملك أن يفكر بعقلٍ مستقل عن الطبيعة، وذلك لأن الله تعالى كان قد كفل له كل ما هو بحاجةٍ إليه دون أن يكون مضطراً بالتالي إلى إعمال عقله وإشغال فكره في الحصول على ما هو مكفولٌ له أصلاً. وهذا الانضباط من جانب الحيوان بالمحدِّدات الطبيعية للعقل عنده هو ما جعل منه مخلوقاً بايولوجياً يمتاز بعقلٍ محدود القدرات، وذلك طالما لم يكن هناك من حاجةٍ له ليتمتع بعقلٍ “فائق القدرات”، وكل ما هو بحاجةٍ إليه مُيسَّر له أمرُ الوصول إليه. وهذا ما لا نجده عند الإنسان، الذي أصبح من بعد أكل أبويه من الشجرة المحرمة متحرراً من كل ما كان يقيِّد “أسلافه الأوائل”. وهكذا أصبح للإنسان عقلٌ حرٌّ من أية “ضوابط طبيعية” تحدُّ من قيامه بالتفكير بعيداً عن “الشواغل الطبيعية” التي لا قدرةَ للحيوان على الانشغال بغيرها. وهذا التحرير العقلي ما كان ليتأتى للإنسان أن يتمايز به عن الحيوان لولا تلك الأكلة المحرَّمة! وقديماً قالت العرب “رُبَّ ضارةٍ نافعة”!
وهكذا أصبح بإمكاننا الآن أن نعلل لهذا العقل الذي مكَّن لظهور الإنسان العاقل Homo Sapiens الذي أعجز علماء البايولوجيا التطورية عن أن يكون بمقدورهم أن يعلِّلوا لانبثاقه، وذلك طالما استعصى عليهم العثور على تلك “الحلقة المفقودة” بين هذا الإنسان و”أسلافه الأواخر”. فهذه البايولوجيا عاجزةٌ عن أن تعلِّل لهذا العقل الاستثنائي المميِّز للإنسان، وذلك طالما لم يكن بين أيدي علمائها ومُنظِّريها إلا ماضيه الحيواني الذي أبداً لن يكون بمقدوره أن يعلِّل لظهور هذا العقل، وذلك طالما لم تكن هناك من “حاجةٍ تطورية” لانبثاقه.
