بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
لم يرد في القرآن العظيم ما يحدد هوية تلك “الشجرة الفضائية” التي نهى الله تعالى آدم وزوجه عن الأكل منها. فقرآن الله العظيم لم ينبئنا بشيء عن تلك الشجرة إلا في سياق إنبائه عما حدث لآدم وزوجه بعد أكلهما منها. فأول ما حدث لهما كان ما جعل منهما يخصفان عليهما من ورق الجنة (فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ) (من 22 الأعراف)، (فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) (121 طه). وهذا الذي حدث لهما هو تبدِّي سوءاتهما لهما؛ والسوأة هي البدن. إذاً فلقد انكشف ما كان موارىً عنهما من بدنيهما مما اضطرهما إلى تغطيته بما تسنى لهما الحصول عليه من ورق الجنة، وذلك لاستشعارهما البرد جراء ذلك السقوط المفاجئ لما كان يغطي بدنيهما من شعر كثيف.
ولقد أنبأنا القرآن العظيم بأمر آخر تعيَّن على ذريتهما أن تعاني منه جراء تلك الأكلة، وهو تفشي العداوة البينية بين أفراد هذه الذرية دون أن يكون هناك من سبب يستدعيها غير ما جرَّته تلك الأكلة المحرَّمة من تضررٍ تسلل إلى جيناتها (قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ).
ونحن إذا ما بحثنا في كتب السلف عن شيء يخص التعريف بهوية تلك الشجرة الفضائية، فلن نجد هناك من الإجماع ما يُشفى به الغليل. فمنهم من ذهب إلى أنها هذه أو تلك من “أشجار الدنيا”، بينما أحجم آخرون عن الخوض فيما لم يُنبئ عنه القرآن العظيم بشيء. وإذا كان القرآن العظيم لم ينبئنا بماهية هذه الشجرة، فإن “العهد القديم” قد أشار إليها على أنها “شجرة المعرفة”، وذلك لأن آدم وحواء بأكلهما منها أصبحا عارفين بحقيقة كونهما عاريين.
ونحن إذا ما تدبرنا ما حدث للإنسان جراء أكل أبويه من تلك الشجرة الفضائية، فإننا لن نذهب هذا المذهب فنقول إن تلك الشجرة كانت شجرة المعرفة، ولكننا في الوقت ذاته لا يمكن لنا أن نغفل عن ملاحظة ما يتمايز به الإنسان عن الحيوان بهذا الذي هو عليه من “عقلٍ غير طبيعي”. فعقل الإنسان لا يمكن أن يُبرَّر له على الإطلاق وذلك بالرجوع إلى ما انتهى إليه علماء البايولوجيا التطورية. وبذلك تكون تلك الأكلة المحرمة هي العلة من وراء تفرُّد الإنسان بهذا العقل “غير الطبيعي”. إلا أن تفرُّد الإنسان بهذا العقل غير الطبيعي، جراء أكل أبويه من تلك الشجرة الفضائية، لا يمكن بحال أن يجعل من هذه الشجرة “شجرة المعرفة”، وذلك طالما صح لدينا أن الإنسان وإن كان يمتلك العقل، فإن هذا العقل ليس بالضرورة بهاديه إلى جادة الصواب دائماً أبداً، وفق ما كان ليكون عليه الحال لو كانت تلك الشجرة الفضائية هي حقاً شجرة المعرفة! فهذا الإنسان وإن كان يتميز بـ “عقل استثنائي”، إلا أننا لا يمكن أن نصف كل ما يفكر به هذا العقل بأنه على قدرٍ من الصواب والحكمة. وهكذا، فإذا كان لنا أن نُعرّف تلك الشجرة الفضائية، فلن يكون من الحكمة أن نصفها بأنها “شجرة المعرفة”، ولكن بوسعنا بكل تأكيد أن نقول عنها إنها “شجرة العقل”، إذ كان أكلُ أبوينا منها العلةَ التي جعلت منا على هذا القدر من “العقل غير الطبيعي”، والذي أدى إلى نشوء الحضارات وإلى تمكُّن الإنسان من الاستفادة من عقله ليسطر ملايين الأطنان من الكتب بغثها وسمينها.
