بعض بني آدم لبعضٍ عدو

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

the treeانتهيت في منشورٍ سابق إلى أننا لا يمكن أن نستند إلى أن “القرآن حمّال أوجه” لنسوِّغ لما نزعم به من أن هناك تفسيراتٍ متضادةً بوسع الآية الكريمة أن تتحملها. فكل آي القرآن العظيم، خلا ما تشابه منه، لا يحتمل إلا تفسيراً صحيحاً وحيداً، وكل تفسير آخر بوسعنا أن نجيء به لا ينبغي أن يكون متناقضاً مع هذا التفسير، أو يذهب بنا بعيداً عما يدعونا إليه.

وفي هذا المنشور سوف أتحدث عن آية كريمة يظن البعض أنها “حمّالة أوجه”، وبالمعنى الذي بإمكاننا أن نحشد من تفسيراتها ما لا يتطابق الواحد منها مع الآخر. وهذه الآية الكريمة هي: (قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) (24 الأعراف). فالتفسير الوحيد الصحيح لهذه الآية الكريمة بإمكاننا أن نقع عليه، وذلك بتشخيصنا المخاطَب فيها على أنه آدم وحواء وذريتهما على الأرض التي سيُبعدان من الجنة إليها.

وبذلك يكون تفسير هذه الآية الكريمة باعتبار أن المخاطَب فيها هو آدم وحواء وذريتهما من جهة، والشيطان الرجيم وذريته من جهة أخرى، هو تفسير لا صحةَ له على الإطلاق. وهنا بإمكاننا أن نتثبَّت من “أوحدية” تفسير هذه الآية الكريمة بأنه ذو صلةٍ بآدم وزوجه وذريتهما، وذلك بتدبُّرنا السياق القرآني الكريم الذي وردت من خلاله: (قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ. قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ) (24 -25 الأعراف).

كما أن من ذهب إلى أن بالإمكان تفسير “بعضكم لبعض عدو”، وذلك على اعتبار أنها تشمل آدم وزوجه وذريتهما والشيطان الرجيم وذريته، قد فاته أن يستذكر أن القرآن العظيم قد أبان عن أن ما هو قائم بين بني آدم، والشيطان الرجيم وقبيله، لا يمكن ًأن يُشار إليه على أنه “عداوةٌ بينية”، وذلك طالما أمرنا الله تعالى بأن نتخذ الشيطان الرجيم عدواً، وأن نتخذ ذريته وقبيله من الشياطين أعداء. فلو كان حقاً ما بين الطرفين هو هذه العداوة البينية المتأصلة، لما أمرنا الله تعالى بمعاداة الشيطان الرجيم وقبيله! كما أن قرآن الله العظيم قد أنبأنا بأن ما هو متحقق من علاقة بين الغالبية العظمى من بني آدم، والشيطان الرجيم وقبيله من الشياطين، إنما هي علاقة موالاة تنتفي بموجبها العداوة البينية المفترضة هذه!

ولا أجد ما يمنع من أن أذكِّر هؤلاء بما جاءنا به قرآن الله العظيم من آيات كريمة ذُكر فيها ما هو قائم بين السواد الأعظم من بني آدم وبين الشيطان الرجيم وقبيله من الشياطين: (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) (من 27 الأعراف)، (وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) (من 208 البقرة)، (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (19 المجادلة)، (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ) (من 102 البقرة)، (كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ) (من 71 الأنعام)، (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) (من 121 الأنعام)، (إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ) (من 30 الأعراف)، (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا) (27 الإسراء)، (أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا) (83 مريم)، (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِين. تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيم) (221 -222 الشعراء).

إذاً فما هو قائمٌ بين ذرية آدم عليه السلام من جهة، وبين الشيطان الرجيم وقبيله من الشياطين من جهة أخرى، لا يمكن أن يوصف بأنه معاداة، وذلك طالما كانت القلة القليلة من بني آدم، من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، هم الذين يعادونهم، وذلك امتثالاً منهم لما أمرهم به الله تعالى، وأن الغالب الأعم على الإنسان هو أن يكون موالياً للشيطان وقبيله، وإلى الحد الذي يجعل منه من أوليائه ومن حزبه.

وبذلك يتبيَّن لنا أن العداوة البينية التي ذكرتها آية (بعضكم لبعض عدو)، إنما هي ما تأصَّل من عداوةٍ بين بني آدم كلهم جميعاً بسببٍ من التضرر الذي أصابهم جراء أكل أبويهم من الشجرة.

 

أضف تعليق