بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
انتهيتُ في منشورات سابقة إلى أن خيرَ قراءةٍ لقرآن الله العظيم هي قراءته بتدبُّرٍ دون تعجُّل، وذلك حتى يتبيَّن للقارئ المتدبِّر ما انطوت عليه آيات الله البيِّنات من معانٍ سيتعذَّر عليه أن يقع عليها ويحيط بها إذا ما كان كل همِّه أن ينجز القراءة في وقت قياسي! فالقراءة التدبُّرية للقرآن العظيم بوسعها أن تجعل القارئ المتدبِّر يتبيَّن ما انطوى عليه هذا القرآن من بنيانٍ إلهي مرصوص يشدُّ بعضُه بعضاً ويؤيِّد بعضه بعضاً، فلا اختلاف هناك بين آياته الكريمة طالما هو من عند الله.
وفي هذا المنشور سوف أتحدث عن سيدنا داود عليه السلام، الذي جعله الله خليفةً في الأرض (يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ) (من 26 ص). فالخليفة، كما يعلِّمنا قرآن الله العظيم، هو من أبقاه الله تعالى واستخلفه في الأرض من بعد إهلاك عدوّه. ولقد تحدثتُ في منشورات سابقة كثيرة عن الآيات الكريمة التي يبيِّن تدبُّرها هذه الحقيقة. فكيف يكون سيدنا داود عليه السلام خليفة في الأرض وفق هذه المقاربة التي أقول بها؟
قلت أعلاه إن القرآن العظيم بنيان إلهي مرصوص يشدُّ بعضه بعضاً ويؤيد بعضه بعضاً. وهذا القرآن، كما قال في حقه حضرة سيدنا علي كرّم الله تعالى وجهه، “يفسِّر بعضه بعضاً”. فلكي نقارب آية “داود الخليفة”، فإن بوسعنا أن نتدبرها بتدبُّر الآيات الكريمة التالية: (فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِين. وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِين. فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِين) (249- 251 البقرة).
إذاً فبقتل سيدِنا داود عليه السلام جالوتَ لعنه الله، كان للذين آمنوا من بني إسرائيل أن يهمزوا عدوَّهم بإذن الله، وكان لهم أن يُستخلفوا من بعدهم، وأصبح بذلك سيدنا داود عليه السلام خليفةً في الأرض.
