بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
يظن البعض، ممن يريدون أن يكون دين الله تعالى وفق ما تقضي به عقولهم، أن الله تعالى لا يمكن أن يكون له تواجدٌ في الوجود إلا بعلمه وقدرته، وذلك لاستحالة أن يكون من هو غير محدودٍ محدداً بما هو محدود. ولقد فات هؤلاء أن تواجد الله تعالى في الوجود لا يعني أن يكون الله محدداً بحدود هذا الوجود، وذلك طالما كان لله تعالى وجودٌ خارج هذا الوجود!
وأقول لهؤلاء، الذين يفاخرون بما افترضوه وفرضوه على دين الله تعالى من تصوراتٍ ومحدِّدات يفترضها العقل، إن زعمهم بأن الله تعالى ليس له تواجدٌ في الوجود يدحضه تدبُّر الآيات الكريمة التالية: (إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ. فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين. يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (7 -9 النمل). فمن كان في النار التي رآها سيدنا موسى عليه السلام؟ ومن كان حول النار؟ لا يمكن أن تكون الإجابة إلا بأن الله تعالى هو من كان في النار ومَن حولها.
وهذا ما بوسعنا أن نتبيَّنه من تدبُّر الآيتين الكريمتين 29 -30 القصص (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُون. فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ). ولقد كان بمقدور هؤلاء الذين لا يريدون أن يصدِّقوا بأن لله تعالى تواجداً لطيفاً خفياً في هذا الوجود، أن يتخلوا عن هكذا افتراض لو أنهم لم يحدِّدوا الله تعالى بحدود هذا الوجود! فماذا كان ليضيرهم لو أنهم قالوا بأن هذا الوجود أعجز عن أن يكون له وجودٌ من دون أن يتواجد الله تعالى فيه، عجزه عن أن يكون محدِّداً لله فلا يكون له تعالى وجود خارجه؟
