الوجود والتواجد

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

كرسي الله وعرشههناك فرقٌ في المعنى شاسع بين “الوجود” (existence) و”التواجد” (Coexistence). فأنت موجودٌ في الغرفة إن كنت فيها وحدك، وأنت متواجدٌ فيها إن شاركك الوجود فيها آخرٌ أو آخرون. ونحن في هذا الوجود لا يمكن أن يكون لنا وجودٌ محض، وذلك طالما شاركنا هذا الوجود موجوداتٌ يتعذر إحصاؤها. فكل ما في الوجود “متواجدٌ” وليس هناك من “موجود” في هذا الوجود له وجود، وذلك طالما تواجدت معه موجوداتٌ أخرى.

قد يبدو ما تقدم أعلاه من القول ضرباً من سفسطةٍ هي أقرب إلى جعجعةٍ بلا طحين! ولكن هذا هو ما عليه حال موجودات هذا الوجود، طالما تشاركت كلها جميعاً هذا الوجود. فحتى تكون “موجوداً” في هذا الوجود، غير متواجد فيه، فلابد من أن تنفرد بالوجود فلا يكون لموجود آخر وجودٌ فيه معك. وهذا لن يكون. ولذلك فإن كل موجودٍ في هذا الوجود، هو متواجدٌ فيه غير موجود.

واللهُ انفرد بأنه الكيان الوحيد الذي له “تواجدٌ” في هذا الوجود، بتواجد مخلوقاته تعالى معه فيه، و”وجودٌ” خارجه إذ لا يتواجد معه خارج الوجود أحدٌ من خلقه. ولذلك كان الله تعالى لغزاً محيِّراً مستعصياً على الإدراك والفهم. فاللهُ تعالى هو الكيان الوحيد الذي تمايز عن كل موجود بأن له “تواجداً” في الوجود، و”وجوداً” خارج الوجود.

وحتى يكون هذا الفرق بين الخالق ومخلوقاته جلياً فلا يلتبس على أحد فهمه، أجد أن في تدبُّر آيةٍ من قرآن الله العظيم ما يُمكِّن من تبيُّن هذا الفرق. لنتدبر الآية الكريمة التالية (فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (8 النمل). فالله تعالى كان في النار، والله تعالى كان حولها. وإذا ما استعضنا عن النار بالوجود كله، فاللهُ تعالى متواجدٌ في الوجود، وهو موجود من حول الوجود. ولذلك كان لله تعالى كرسي وسع السموات والأرض، إذ لله تعالى تواجدٌ في كل أرجاء الوجود، وكان لله عرشٌ طالما كان له وجودٌ خارج هذا الوجود.

أضف تعليق