بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
كيف لنا أن نصف العلاقة بين الدين والعقل؟
يظن كثيرٌ منا أن الدين “معقول”، وألا تعارض هناك على الإطلاق بين الدين والعقل، وأن كل ما جاءنا به الدين من عند الله تعالى لا يملك العقل حياله إلا التسليم والموافقة، طالما كانت مفردات الدين الإلهي متوافقةً مع مقتضيات العقل! وهذا بكل تأكيد تعميم جائر إن نحن صدَّقناه فقد جُرنا على الدين والعقل كلاهما. فلو كان الدين “معقولاً”، كما يزعم كثيرٌ منا، لكان بمقدور عقل الإنسان أن يكتشف هذا الدين، ولما كانت هناك من حاجة لأن يرسل الله تعالى رسله الكرام عليهم السلام بدينه الإلهي! ولو كان الدين “معقولاً”، لما كان حظه من الناس ما عرَّفنا به القرآن العظيم صدوداً وإعراضاً وتكذيباً واستهزاءً ومحاربة! فعقل الإنسان صنيعة هذا الواقع، وهو لذلك عاجزٌ عن أن يسبر أغوار عالم الحقيقة، ودين الله تعالى مشتملٌ على مفرداتٍ تتناقض بالتمام والكلية مع هذا الواقع. ولذلك فمن “المنطقي” أن ينشأ هذا التناقض الصارخ بينهما. فكيف نريد من هذا العقل أن يؤمن بالبعث والنشور وإحياء الموتى يوم القيامة؟ وكيف نريد من هذا العقل أن يصدِّق ما أجراه الله تعالى لأنبيائه الكرام عليهم السلام من معجزاتٍ خرقت المألوف؟! فعقل الإنسان لن “يتقبَّل” الدين إلا بالاضطرار والإرغام والجبر والإكراه. وكل من يظن أن العلاقة بين الدين والعقل سلسةٌ فقد جارَ على الدين إذ جعله موافقاً لما يقضي به هذا العقل، وهذا حكمٌ منه يقضي بأن الدين هو ليس من عند الله تعالى. فإلهية الدين تستدعي أن يكون الدين “غير معقول”. وهذا لا يقدح في الدين ولا يعيب. فيكفي الدين شرفاً على العقل أنه يسمو به إلى مصاف ما كان له أن يرتقي إليها وحده. وإذا كان الدين مجافياً للعقل، منافياً لما يقضي به منطقه، فإن هذا لا يجوِّز للإنسان على الإطلاق أن يعلل لإعراضه عن الدين برفض عقله لما جاءه به هذا الدين، وذلك طالما كان ما جاءه به هذا الدين يشتمل على ظواهر إن كانت منافيةً لمقتضيات العقل، فإنها تعجزه في الوقت ذاته عن أن يُبدع ما يجعل منه قادراً على أن يأتي بما يماثلها أو يفوقها إعجازاً!
لذلك فالعقل إن أرادَ منا أن نحتكم إليه ونُحكِّمه في الدين، فعليه أن يعي أنه لا يملك أن يحكم على هذا الدين حكماً يقضي بوجوب إعراضنا عنه، وذلك طالما استحال عليه أن يبرهن على “فوقيته” المزعومة. والدين يبرهن على تفوقه معرفةً عجزَ هذا العقل عن السبق إليها، وظواهر خارقةً لو اجتمعت عقول بني آدم إلى يوم الدين على أن تأتي بواحدةٍ منها لما استطاعت إلى ذلك سبيلاً.
إذاً فلا سبيل هناك أمام العقل، حيال هذا التسلط المعرفي-الإعجازي لدين الله تعالى، إلا الإقرار بإلهية هذا الدين، وبالتالي بوجوب إذعانه ورضوخه لكل ما يقضي به.
