حول إعادة كتابة السيرة النبوية الشريفة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

اللهم عرفنا حقيقة من عرفك حق العرفانتتعالى دعوات هنا وهناك إلى ضرورة إعادة كتابة السيرة النبوية الشريفة. فهل هناك حقاً من حاجة ضرورية إلى وجوب إعادة كتابة السيرة النبوية الشريفة؟ بدايةً لابد من أن أشير إلى أن هذه الدعوات تستند إلى ما تظنه سبباً راجحاً يجعل من إعادة كتابة السيرة النبوية الشريفة أمراً تستدعيه ضرورات العصر، وذلك لأن كثيراً مما حفلت به كتب السيرة النبوية الشريفة لا يتفق، من وجهة نظر البعض، مع ما يقضي به العقل والمنطق! فكتب السيرة النبوية الشريفة جاءت على ذكر بعضٍ من معجزات حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم. وهذه المعجزات هي من وجهة نظر هذا البعض تجافي منطق الأمور، وهي لذلك مما يجب اطِّراحه من كتب السيرة النبوية الشريفة، ناهيك عن أنها تخالف، من وجهة نظر هذا البعض، ما أجمعت عليه الأمة من أن القرآن العظيم هو معجزة حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم الوحيدة! ثم أن هذا البعض يجادل فيقول إن الإسلام لا يحتاج إلى معجزاتٍ كهذه التي تحفل بها كتب السيرة النبوية الشريفة ليبرهن على إلهيته وعلى أنه دين الله الحق!

والآن، كيف بإمكاننا أن نرد على ما تقدم من طروحاتٍ تهدف في النهاية إلى تنقية وغربلة كتب السيرة النبوية الشريفة من كل ما هو مجافٍ للمعقول ومنافٍ للمنطق؟

بدءاً لابد من التنويه إلى أن كل من كانت له مشكلة مع معجزات السيرة النبوية الشريفة، فإن مشكلته هذه لن تزول إذا ما نحن استبعدنا المعجزات المحمدية من كتب السيرة النبوية الشريفة! فالقرآن العظيم يشتمل على ذكر معجزات الأنبياء عليهم السلام. وإذا كانت الحجة التي يستند إليها من يريد تنقية كتب السيرة النبوية الشريفة من المعجزات المحمدية هي أن هذه المعجزات تجافي العقل وتنافي المنطق، فإن هذا يستدعي منا أن نستبعد مئات الآيات الكريمة التي ذكرت المعجزات في هذا القرآن! ثم أن اعتمادنا هذا المنطق تعلةً لاستبعاد المعجزات من القرآن العظيم، بحجة كونها لا تتفق مع ما يقضي به العقل ويقوم عليه المنطق، سيجعل منا ملزَمين باستبعاد مئات الآيات الكريمة الأخرى التي تتحدث عن البعث والنشور والقيامة والجنة والنار، وذلك بحجة كون هذه الآيات تتحدث عن أمورٍ لا تتفق مع مقتضيات العقل والمنطق! ثم يمضي بنا منطق “الاستبعاد العقلي” هذا إلى استبعاد آلاف الآيات الكريمة التي تتحدث عن الله تعالى، وذلك لذات الحجة، وهي أنها آيات تتنافى مع ما يقضي به العقل والمنطق! وهكذا سينتهي بنا الأمر إلى الحكم على القرآن العظيم بأنه كتابٌ يتنافى مع العقل ويجافي المنطق! وبذلك يصبح الإسلام، دين الله تعالى الحق، عقيدةً لا داعي لها، وذلك لتناقضه مع ما يستوجبه العقل ويقتضيه المنطق! أنظر كيف انتهى بنا الأمر من استبعاد للمعجزات المحمدية من كتب السيرة النبوية الشريفة إلى حكمٍ على الإسلام بأنه عقيدةٌ لا مبرر هناك للتدين بها، وذلك طالما أنه قد اشتمل على أمورٍ لا يقبل بها العقل ولا يجوِّز لها المنطق!

إذاً فكل مَن يطالبنا بإعمال العقل في كتب السيرة النبوية الشريفة، وذلك لتنقيتها مما يُظَن أنه مخالف للعقل ومجافٍ للمنطق، إنما يدفع بنا إلى الإعراض عن دين الله تعالى والصدود عن قرآن الله العظيم لذات الحجة.

إن دين الله تعالى قائمٌ على أساسٍ من مجافاةٍ لابد منها لمقتضيات العقل ومنافاةٍ لا مندوحة عنها لما يستوجبه المنطق. وهذا وذاك لا يقدحان في دين الله تعالى ولا يعيبانه بشيء البته. فاللهُ تعالى كيانٌ متعالٍ على العقل، ودينه الإلهي عقيدةٌ فيها ما فيها مما هو مجافٍ للمنطق. وكل من يزعم بألا تعارض هناك على الإطلاق بين الدين والعقل، فإنما يزعم ذلك منطلقاً من جهالةٍ بما هو عليه دين الله تعالى. فدين الله تعالى لا قيام له إلا على أساسٍ من كل ما هو متناقضٌ مع مقتضيات العقل وما يستوجبه المنطق. وما معجزات الأنبياء عليهم السلام، ولا أحداث يوم القيامة، إلا بعضاً من هذا الذي يتناقض به دين الله تعالى مع العقل والمنطق.

إذاً فكل دعوة إلى إعادة كتابة السيرة النبوية الشريفة، وبما يجعل هذه السيرة “معقولة” و”منطقية”، إنما هي دعوةٌ مشبوهة مؤدلجة تُضمِر غير ما تُظهِر، وهي لذلك كله تستدعي منا وجوب ألا ننصاع لما تدعونا إليه بذريعة أن “المعاصرة” تستدعي إعادة الكتابة هذه! ثم لماذا يُستكثَر على حضرة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن تكون له معجزاتٌ كتلك التي ذكرتها كتب السيرة النبوية الشريفة؟ أليس هو أقرب خلق الله تعالى إلى الله؟ ألا يستدعي هذا القرب الشديد تحقق حدوث ما ذكرته كتب السيرة النبوية الشريفة من معجزاتٍ وما غفلت عن ذكره؟!

إن معجزات حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم حقيقةٌ ماثلةٌ للعيان مشهودٌ لها بأنها حق لا مراء فيه. وعلى كل مَن يجادل أو يلاجج في هذه المعجزات أن يقدِّم التعليل الذي يفسِّر به كرامات أولياء الله تعالى تفسيراً عقلانياً يتنافى مع الإعجاز الذي ما كان لها أن تحدث لولاه، وذلك طالما كانت هذه الكرامات هي تجلياتٌ لمعجزاته صلى الله تعالى عليه وسلم.

أضف تعليق