هوية الإنسان يحددها ماضيه

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

the treeقد يبدو الإنسان كائناً عصياً على الفهم، وذلك لغرابة أطواره وتقلُّب مزاجه وتأرجحه بين تفكيرٍ سليم وآخر سقيم! فما الذي جعل الإنسان على هذا القدر من التناقض، والذي يصل به حد “الاحتراب الداخلي” بين مشاعر وأخرى تناقضها؟ ولماذا كان على الإنسان أن يكون على هذا الذي هو عليه من تناشز صارخ مع كل ما هو طبيعي بهذا الخروج منه على قوانين الطبيعة، والذي صيَّر عالمه عالم بئس وشقاء وعناء؟ وهل بإمكاننا أن نحدد هوية الإنسان بعد كل ما تقدم من إيجازٍ لما هو عليه من شذوذٍ عن الطبيعة وقوانينها الإلهية؟ وهل بمقدور مباحث العصر وعلومه ومعارفه أن تعيننا على فقه هذه الجملة من المتناقضات التي يُمثِّلها هذا الإنسان؟

إن الإجابة على ما تقدَّم من أسئلة تستدعي منا وجوب التحلِّي بالحياد والموضوعية، وذلك لأن الأمر ذو صلةٍ بحقيقة الإنسان. وهذه لا يمكن لنا أن نحيط بها إلا إذا ما نحن تجرَّدنا من مقاربة الإنسان على اعتبار أنه كيانٌ استثنائي ومتميز. فواقع الأمر يشهد لهذا الإنسان بأنه إن تميَّز بشيء، فتميُّزه هو بهذا الخروج منه على شرعة الله التي كان للطبيعة أن تتجلى بهذه الصورة البديعة، بإطاعة كائناتها كلها جميعاً لهذه القوانين، وذلك بالمقارنة مع عالم الإنسان المتشِّح بكل ما هو بمقدوره أن يجعل المتدبِّر في مفرداته يخلص إلى نتيجةٍ لا مفر منها، وهي أن هذا العالم صنيعة مخلوقٍ يعتوره عيب جسيم ما كان لعالمه هذا أن يكون على هذا القدر من النقص لولاه.

ونحن إذا ما توسَّلنا مباحث العصر وعلومه ومعارفه لنعلِّل لهذا الذي جعل من الإنسان قادراً على خلق عالمٍ قائمٍ على النقائص، فلن يكون لنا ما نريد، وذلك طالما كانت هذه المباحث والعلوم والمعارف كلها جميعاً قد أسَّس لها علماء ينظرون إلى الإنسان على أنه كائن طبيعي من كائنات الطبيعة لا يختلف عنها في شيء البته! ونحن لن يكون بوسعنا أن نحدد هوية الإنسان الحقيقية إلا إذا ما نحن قُدِّر لنا أن نتعرف إلى “ماضيه الحقيقي”. وماضي الإنسان الحقيقي هذا لا قدرةَ لغير دين الله تعالى على أن يحدده، وذلك كما بوسعنا أن نتبيَّنه بتدبُّر قرآن الله العظيم الذي جاءنا بنبأ يقين عرفنا بموجبه ما كان من أمر هذا الإنسان وما حدث له في ماضيه السحيق فجعل منه هذا الكيان الصارخ بالمتناقضات!

فهوية الإنسان يحددها ماضيه الحيواني، وما كان من أمر أبويه آدم وحواء في الجنة الفضائية التي أُسكناها، وذلك بأكلهما من الشجرة التي نُهيا عنها.

أضف تعليق