المقدس والمعقول

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

الإسلام هو الإيقانيشكو العقلانيون والحداثيون على اختلاف مشاربهم وتضارب منطلقاتهم الفكرية من عدم تمكينهم من دين الله تعالى، وذلك ليُعملوا فيه عقولهم بالتحليل والتفكيك والنقد والتمحيص! فهؤلاء ليس ليردعهم عن التعامل النقدي مع نصوص دين الله تعالى ما ينبغي أن يحول دون التجاسر على هذه النصوص المقدسة! فالعقل عند هؤلاء مقدم على النص، حاكمٌ عليه، غير محكوم به! ولذلك تراهم يطالبون بنزع صفة القدسية عن نصوص الدين الإلهي، وذلك كيما يتسنى لهم التعامل معه تعاملهم مع أي نص آخر يفتقر إلى هذه القدسية الملازمة لهذه النصوص! فالنص الديني عند هؤلاء لا ينبغي أن يبقى بمنأى عن إعمال العقل فيه بذريعة أنه نص مقدس لا يجوز التقرب منه! ولذلك تراهم يحاولون نزع هذه القدسية المميِّزة للنص الديني متذرعين بذريعةٍ مفادها أن ما هو مقدس في النص الديني لا يمكن للعقل أن يقبل به طالما انطوى هذا المقدس على ما يتنافى مع ما يقضي به هذا العقل! فإذا كانت مقدسات النص الديني تشتمل على المعجزات، وإذا كانت هذه المعجزات تجافي المنطق وتتنافى مع مقتضيات العقل، فلابد من اطِّراحها جانباً وذلك لأن كل ما هو غير معقول لا يمكن أن يكون له وجود كما يزعم هؤلاء الذين احتكموا إلى العقل فحكَّموه في كل شيء وافترضوا أن حكمه نافذٌ حتى فيما هو بحكم التعريف متعالٍ على الواقع متجاوزٍ له غير محدَّد بمحدداته ولا منضبط بضوابطه، وذلك بسبب من كونه ينتمي إلى “واقع آخر” يسمو فوق هذا الواقع الذي نشأ عقل الإنسان وترعرع في ربوعه وتحت ظله!

فإذا كانت المعجزات غير معقولة، إذ نقاربها بعقولنا التي تواضعت على “المألوف” فلم تشهد ما يخرقه من ظواهر، فإن لامعقوليتها هذه لا ينبغي أن تكون مبرراً للحكم عليها بأنها لا يمكن أن يكون لها وجود! فلو أن العقلانيين، على اختلاف مشاربهم، توسعوا في مد ما بوسع العقل أن يشتمل عليه وينطلق منه، لما حكموا على المعجزات باستحالة الحدوث، وذلك بالانطلاق من تعريفٍ لهذا العقل يحدده بمحددات مألوف الوقائع ومتواترها!

إذاً فكل دعوةٍ إلى الإعراض عن مقدسات النص الديني هي في حقيقة الأمر دعوةٌ لتحجيم عقل الإنسان وتحديده بما هو مألوف لديه! ولو أن هؤلاء المفاخرين بعقلانيتهم أنصفوا لقالوا بأن مقدسات النص الديني تتطلب منهم ارتقاءً بعقولهم إلى مصاف هذه المقدسات، وذلك حتى يكون من “العدل” و”المنطق” إعمال العقل من بعد توسعة مداركه ومد حدوده حتى يكون بمقدوره أن يتعامل معرفياً مع هذا المتجاوِز لحدوده القديمة! ولكن أنى لهؤلاء أن يعملوا على توسعة مداركهم ومد حدود عقولهم وهم في “التبلُّد العقلي” و”التحجُّر الفكري” لا يختلفون عن أشياعهم وأمثالهم ونظرائهم من الذين وصفهم قرآن الله العظيم بأنهم كالحمار يحمل أسفاراً!

أضف تعليق