“فلما تجلَّى”

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُما الذي يعنيه التجلِّي الإلهي الوارد ذكره في الآية الكريمة 143 من سورة الأعراف (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ)؟

تحدثتُ في منشوراتٍ سابقة عن أن لله تواجداً في هذا الوجود لطيفاً خفياً، وأن هذا الوجود لا قيام له إلا بهذا التواجد. فاللهُ تعالى أنبأنا في قرآنه العظيم بأنه هو الممسِك بهذا الوجود سمواتٍ وأرضين، وأن هذا الوجود زائلٌ لا محالة إذا كفَّ اللهُ تعالى عن أن يُمسِك به: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) (41 فاطر)، (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) (65 الحج). فتواجد الله تعالى في الوجود لطيفٌ خفي لا نكاد نشعر به. ولكن الله تعالى بمقدوره أن يكون تواجده، في أية بقعةٍ شاء من هذا الوجود، تواجداً “أقل لطافةٍ” مما هو معتاد فـ “يتجلى” اللهُ تعالى بالتالي بكثافةٍ تغيِّر هذه البقعة المختارة فتُصيِّرها بقعةً مباركةً ببركة هذه الزيادة في كثافة التواجد الإلهي. لنتدبر الآيات الكريمة التالية: (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ. فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (29 -30 القصص)، (إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ. فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (7 -8 النمل)، (إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى. فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى. إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى) (10 -12 طه). إذاً فازدياد كثافة التواجد الإلهي تجلّت ناراً مباركة، ومباركٌ ما حولها. وما تقدَّس الوادي إلا بتجلِّي الله تعالى فيه “تجلياً لطيفاً” جعله مباركاً.

إلا أن لله تعالى تجلياتٍ أخرى ذات كثافة تواجد إلهي تمحق وتسحق. ومن هذه التجليات تجلِّيه تعالى للجبل كما جاء في الآية الكريمة 143 الأعراف أعلاه. فازدياد كثافة التواجد الإلهي بتجلِّي الله تعالى للجبل ازدياداً فائقاً هو الذي جعل الجبل ينهار إذ لم يقوَ على تحمُّل هذا التجلِّي الإلهي ذي الكثافة الشديدة.

ولقد وردت كلمة “تجلى” مرةً أخرى في القرآن العظيم، وذلك في الآية الكريمة 2 من سورة الليل (وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى). وإذا ما نحن تدبَّرنا هذه الآية الكريمة، فلن يكون عسيراً علينا أن نتبيَّن أنها تعني ازدياد كثافة نور شمس الصباح، وهذا يتوافق مع ما يعنيه التجلِّي الإلهي بازدياد كثافة نور الله.

أختم بالقول بأن هذا الوجود ما كان له أن يوجد لولا أن الله تعالى تجلَّى فيه مدةَ ستة أيام كانت كافيةً لتُخلق فيها السموات والأرض وما بينهما بازدياد كثافة التواجد الإلهي في هذا الوجود، حتى إذا ما قُضي الأمر وخُلقت السموات والأرض، انقضى التجلِّي الإلهي ليصبح تواجد الله تعالى في الوجود بقدرٍ يكفل له ألا يزول.

أضف تعليق