من لدُن الله

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

مدد يا اللهما الذي تعنيه كلمة “لدن” التي وردت في القرآن العظيم 18 مرة؟! تجيبنا على هذا السؤال الآية الكريمة 76 الكهف (قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا).

إذاً فكلمة “لدن” تعني “عند”. ويكون بذلك معنى “من لدني” هو “من عندي”. ولقد جاءت في القرآن العظيم تنويعات عدة لعبارة “من لدن”، والتي تبيَّن لنا أعلاه أنها تعني “من عند”: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) (8 آل عمران)، (رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً) (من 38 آل عمران)، (وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) (من 40 النساء)، (وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا) (67 النساء)، (وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا) (من 75 النساء)، (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) (1 هود)، (وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا) (من 80 الإسراء)، (لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ) (من 2 الكهف)، (رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً) (من 10 الكهف)، (وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا) (من 65 الكهف)، (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا) (من 5 مريم)، (وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً) (من 13 مريم)، (وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا) (من 99 طه)، (لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِين) (17 الأنبياء)، (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ) (6 النمل)، (رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا) (من 57 القصص).

فإذا كانت عبارة “من لدن الله” تعني “من عند الله”، فما الذي تعنيه عبارة “من عند الله” هذه؟

ذكرت في منشورات عدة أن لله تعالى نمطَي تدخُّل في أحداث الوجود: أحدهما غير مباشر، وذلك بوساطة من أسبابٍ خلقها اللهُ تعالى فجعلها حجاباً توارى من ورائه، والآخر مباشر دون وساطةٍ من هذه الأسباب. وعبارة “من عند الله” تشير إلى نمط التدخل الإلهي المباشر في أحداث الوجود. وإذا ما نحن تدبَّرنا آيات التدخل الإلهي المباشر الواردة أعلاه، فلن يكون بالعسير علينا أن نتبيَّن أن هذا التدخل يتجلى على أرض الواقع معجزاتٍ وخوارق عادات، وذلك طالما لم تكن هناك من أسبابٍ تفعل فعلها من هذا الواقع وفيه. فأحداث التدخل الإلهي المباشر هذه لا تحتاج إلى “طاقة الأسباب” كيما تحدث، وذلك طالما كانت “الطاقة الإلهية” هي المتكفلة بحدوثها. فهذه الأحداث المعجزة تحدث إذاً بمددٍ من طاقة الله تعالى.

وفي هذا ما يدحض ما يصر على الزعم به كثير منا، وهم يعللون لأحداث التدخل الإلهي المباشر في هذا الوجود بأنها تشتمل على الخلق من العدم، أو من اللاشيء! فالقرآن العظيم لا يقول بهكذا خلق، وإنما يقول بالخلق من لدن الله تعالى، أي من عند الله تعالى، أي بمددٍ من الله تعالى. وإذا صح لدينا أن المعجزات تحدث بتدخل إلهي مباشر، وبمددٍ إلهي من عند الله تعالى، فإن هذا الإمداد الإلهي هو ما تسبب بظهور الموجودات إلى الوجود. فالوجود لم يخلقه الله تعالى من العدم، ولكن الوجود ظهر بمدد من عند الله تعالى. وهكذا يتبين لنا بطلان الرأي القائل بانبثاق الموجودات من اللاشيء، أو من العدم، وذلك طالما كان هذا الانبثاق يتناقض بالتمام والكلية مع الخلق من لدن الله، أو من عند الله، أو بمددٍ من الله. فهذا الوجود، سمواتٍ وأرضين، خلقه الله تعالى من لدنه، أي من عنده، وبمددٍ منه. والقائل بخلق الوجود من عدم إنما يقول بما يتناقض وما جاء به قرآن الله العظيم الذي أنبأنا بنبأ يقين بأن الخلق مستحيل دون تدخل إلهي مباشر بمددٍ من لدن الله، أي من عند الله.

أضف تعليق