بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
يظن كثيرٌ منا أن الإسلام دين العقل، وأن كل ما جاء به من حقائق ومعارف لا قدرةَ لعقل الإنسان حيالها إلا الإقرار بأنها لا تتصادم مع مسلَّماته وبديهياته وأحكامه! فهل الإسلام حقاً دين العقل؟
إذا ما نحن شرعنا بتدبُّر ما يقوم عليه الإسلام من وجوب الإقرار بوجود الله تعالى، وبأن الآخرة آتيةٌ لا ريب فيها، وبأن الملائكة حق، ورسل الله حق، وكتبه حق، فسوف نكون مضطرين إلى إتباع هذا الإقرارُ منا بهذا الذي لا قيامَ للإسلام إلا به، بإيقانٍ مفاده أن كل هذا الذي يقول به الإسلام يتناقض مع مقوِّمات العقل التي صاغته وشكَّلت بالتالي أحكامه وقراراته. فالعقل صنيعة هذا الواقع. وهذا الواقع لا يمثل من حقيقة ما هو موجود إلا نزراً يسيراً. وبذلك يكون العقل محدوداً بحدود هذا الواقع، وتكون أحكامه بالتالي محددةً بهذه الحدود الواقعية. وبذلك يكون بمقدورنا أن نفقه العلة التي تجعل من الدين عصياً على العقل مادام هذا الدين قائماً على أساسٍ من الانتماء لعالم الحقيقة الذي لا قيام له على أرض الواقع.
إلا أن كون الدين يتنافى مع العقل لا يعني وجوب أن لا يكون بإمكان هذا العقل أن “يتديَّن” وفقما يقضي به هذا الدين. فالعقل بمقدوره أن “يُطوَّع” و”يُروَّض” كيفما يشاء صاحبه. والإنسان المتدين بمقدوره أن يفرض على عقله ما يتناقض مع مقومات هذا العقل، فيجعله “يؤمن بالغيب”. والإسلام لا قيام له إلا على أساسٍ من الإيمان بالغيب. وهذا الإيمان بالغيب يتناقض بالتمام والكلية مع ما تواضع عليه عقل الإنسان في تعامله مع البديهيات والمسلَّمات والوقائع والأحداث. فالعقل يؤمن بالملموس والمحسوس والمسموع والمرئي، وهذه كلها جميعاً معقولة عنده. فالموجودات عند العقل معقولات، إلا أن هذا لا يعني وجوب الرضوخ لما يقتضيه التفكير العقلي القائم على أساس من هذه المطابقة ما بين ما هو موجود وما هو معقول. فلا يشترط أن يكون دين الله معقولاً حتى يكون عندنا مقبولاً. فيكفينا أن نستذكر ما جاءنا به قرآن الله تعالى من أخبار معجزات أنبياء الله الكرام عليهم السلام. فكل معجزة من هذه المعجزات تتنافى مع مقتضيات العقل ومسلَّماته وبديهياته وأحكامه المشتقة من مألوفات هذا الواقع الذي جاءت هذه المعجزات لتبرهن لعقولنا أنه ليس كل ما هنالك، وأن الله تعالى قادر على أن يأتي بما يخرق ما ظننا وتوهمنا أنه كل ما هنالك.
