لماذا نفخ الله في مريم عليها السلام من روحه؟

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

كن فيكوننفخ الله تعالى في سيدنا آدم عليه السلام من روحه (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِين) (71 -72 ص)، (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ. ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ. ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ) (7 -من 9 السجدة)، (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) (29 الأعراف).

ولقد تحدثت في منشورات سابقة عن عِلة هذه النفخة الإلهية، وذكرتُ أنها كانت لإصلاح ما كان قد تضرر من بُنية سلالة سيدنا آدم؛ ذلك التضرر الذي كان سيجعل منه عليه السلام واحداً من أفراد قومه لا يختلف عنهم في شيء، وذلك على قدر تعلُّق الأمر بالإفساد في الأرض وسفك الدماء. إذاً فنفخ الله تعالى في آدم من روحه كان كنايةً عن تدخُّلٍ إلهي مباشر قوَّم الضرر وجعل من آدم إنساناً في أحسن تقويم. ويخطئ من يظن أن تلك النفخة الإلهية قد تبقَّى منها “شيء ما” فصار روحاً مداخِلةً لبدن آدم عليه السلام. كما ويخطئ من يتوهم أن بني آدم كلهم جميعاً قد توارثوا تلك النفخة الإلهية فصار لكل واحدٍ منهم روحاً تساكن بدنه البايولوجي.

ولقد حدَّثنا القرآن العظيم عن نفخٍ إلهي آخر من روح الله تعالى، غير هذه النفخة التي كانت العلة من وراء تخلُّق آدم إنساناً في أحسن تقويم، وذلك بحديثه عن السيدة مريم عليها السلام التي أنبأنا هذا القرآن بنبأ يقين مفاده أن الله تعالى كان قد نفخ فيها من روحه: (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ) (91 الأنبياء). فلماذا إذاً نفخ الله تعالى في مريم عليها السلام من روحه؟ فإذا كان الله تعالى قد أصلح ما كان قد تضرَّر في سلالة سيدنا آدم عليه السلام إصلاحاً جينياً بتدخُّلٍ إلهي مباشر، وذلك بنفخه تعالى في مادته المجهرية من روحه، فإن نفخ الله تعالى في السيدة مريم عليها السلام من روحه كان العلة التي جعلت منها تحمل دون وساطةٍ من ذكر. فالنفخة الإلهية هنا هي أمرٌ من الله تعالى لمادة السيدة مريم عليها السلام بأن يتخلَّق عنها جنين ذكر دون وساطةٍ من ذكر. ولقد جاءنا القرآن العظيم بدليلٍ قاطع بأن هذه النفخة الإلهية ما كان ليُقصد منها أمرٌ آخر كما قد يظن البعض ويتوهم، وذلك في الآية الكريمة 12 من سورة التحريم: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِين).

إذاً فنفخُ الله تعالى في السيدة مريم عليها السلام من روحه استهدف جهازها التناسلي على وجه التحديد، ولم يستهدف من بدنها موضعاً آخر، وذلك حتى تتحقق معجزة ولادة سيدنا المسيح بن مريم عليهما السلام دون وساطةٍ من ذكر.

أضف تعليق