بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
ذكرتُ في منشوراتٍ سابقة أن الله تعالى نفخ في آدم من روحه، وذلك حتى لا يكون آدم واحداً من أفراد قومه الذين كانوا يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء. ولقد تسببت تلك النفخة الإلهية في جعل آدم مخلوقاً استثنائياً فريداً، وذلك بجعلها إياه إنساناً في أحسن تقويم. وبذلك استحق سيدنا آدم عليه السلام أن تسجد له ملائكة الله الكرام عليهم السلام، وذلك حتى يكون في هذا السجود إقرارٌ منهم كلهم جميعاً بأنه أكرم خلق الله تعالى (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِين) (28 -29 الحجر).
ولقد جاءنا القرآن العظيم بنبأ سجودٍ آخر كانت العلة من ورائه متطابقةً مع علة سجود الملائكة الكرام لآدم عليه السلام، وذلك في سياق حديث هذا القرآن عن قصة سيدنا يوسف عليه السلام وما تضمَّنته من سجود يعقوب وبَنيه لسيدنا يوسف عليه السلام (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ. وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (99 -100 يوسف). فذلك السجود كان إقراراً منهم كلهم جميعاً بأن ما آتى الله سيدنا يوسف عليه السلام من علمٍ خيرٌ مما كان قد آتاهم.
كما وتحدث القرآن العظيم عن سجودٍ آخر بوسعنا الآن تبيُّن علَّته التي هي ذات صلةٍ بـ “التفوق العلمي”، والعلم هنا هو ذاك الذي يؤتيه الله من يشاء من عباده فيجعل له بذلك هيمنةً وتسلطاً بإذنه. وهذا السجود هو سجود السحرة لسيدنا موسى عليه السلام مُقرِّين بسجودهم هذا أنه على علمٍ لا سبيل لهم لمضاهاته أو التفوق عليه (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ. فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ. وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ. قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ. رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ) (117 -122 الأعراف).
