بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
تحدثت في منشوراتٍ عدة عن العلة التي حتَّمت على آدم وزوجه أن يغادرا الجنة التي كانا قد أُسكناها وأن يعودا ثانيةً إلى الأرض التي كانا قد أُخذا بعيداً عنها ليُسكَنا تلك الجنة. ونحن إذا ما تدبَّرنا الآيات الكريمة التي أنبأتنا بما حدث بعد أكل آدم وزوجه من الشجرة التي نُهيا عنها، فسوف يتبيَّن لنا جلياً أن الأمر الإلهي القاضي بوجوب الهبوط من الجنة إلى الأرض لم يكن ليقتصر على آدم وزوجه حصراً، وذلك لأن هذا الأمر طالَ ذريتهما كلها جميعاً. وهذا ما بمقدورنا أن نتبيَّنه بتدبُّر الآيات الكريمة التالية: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِين. فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ. فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون. وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون) (35 -39 البقرة)، (فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ. قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين. قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ. قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُون) (22 -25 الأعراف)، (فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى. ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى. قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى. وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) (121 -124 طه).
إذاً فالخطاب الإلهي المتضمِّن أمر الإبعاد عن الجنة لم يتوجه به الله تعالى إلى آدم وزوجه فحسب، إذ أنه شمل كافة أفراد الجماعة الإنسانية من ذريتهما. وهذا إن دلَّ فإنما يدل على أن ما كان قد تضرر من آدم وزوجه لم يقتصر عليهما وإنما تسرَّب إلى كل فرد من أفراد ذريتهما. وهذا التضرر الجماعي ما كان له أن تزول آثاره إلا باتِّباع هدي الله تعالى الذي فيه ما هو كفيل بإصلاح ما تضرَّر وإلا فهو الشقاء الدائم دنيا وآخرة. ولو أن ما حدث جراء أكل آدم وزوجه من الشجرة اقتصر عليهما لما خوطب كل بني آدم بخطاب الإبعاد إلى الأرض التي سيحيا فيها بنو آدم كلهم جميعاً، والذين سيتوجب عليهم أن يكون بعضهم لبعض عدو جراء ما تضرر فيهم بسببٍ من أكل أبويهم من تلك الشجرة. ولو أن ما حدث لآدم وزوجه جراء أكلهما من الشجرة اقتصر تأثيره عليهما فقط، لما كان خطاب الإبعاد الإلهي ليطال أحداً غيرهما.
إذاً فبرهان كون ذلك التضرر قد طال ذريتهما كلها جميعاً هو مخاطبة الله تعالى لهما بصيغةٍ تضمنت كلمة “جميعاً”.
