بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
يظن كثير من المشتغلين بالدراسات القرآنية قديماً وحديثاً أن بإمكانهم دوماً الذهاب بمعنى الآيات الكريمة بعيداً عن الحدود المكانية والزمانية التي حدَّدت بموجبها أسبابُ النزول هذا المعنى فقيَّدته دون إطلاق يمتد في الزمان هكذا ومن دون قيدٍ أو شرط. وهذا هو ظن في غير محله؛ إذ أن الكثير من آيات القرآن العظيم معناها مقيَّد بقيد “زمان ومكان النزول”. وفي هذا المنشور سوف أتطرق إلى مثالٍ على هذا الذي أذهب إليه من وجوب التقيُّد، تمامَ التقيُّد، بأسباب النزول، وذلك لأن المخالفة عن ذلك ينجم عنها الوقوع في محظور “الإطلاق والتعميم” والخروج بذلك عن التقييد الذي فرضه على المعنى كونُ المخاطَب لا يمكن على الإطلاق توهُّم كونه فاقد الشخصية والهوية فيُصار بذلك إلى إسقاطه على مَن هو بحكم محدِّدات معنى الآية الكريمة بعيدٌ كل البُعد عن أن يكون مشمولاً بهذا المعنى.
وهذا المثال هو الآية الكريمة (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (105 التوبة). فكثيرٌ منا يورد هذه الآية الكريمة في سياق “الإشادة والتمجيد” بعمله أو بعمل من يريد أن يكيل له من الثناء والمديح ما يظن أنه يستحقهما. وهذا أبعد ما يكون عن المعنى الذي تنطوي عليه هذه الآية الكريمة التي إن نحن وقعنا على هوية المخاطَب فيها لتبيَّن لنا أن معناها لا ينبغي إطلاقاً أن يتم الاستشهاد به في سياق هكذا إشادة وتمجيد! فالمخاطَب هنا هم منافقو المدينة من معاصري حضرة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فحسب!
فانظر كيف خرج بنا “التعميم والإطلاق” عن المعنى الذي ذهبت إليه هذه الآية الكريمة!
