بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
يفاجؤك الإنسان بما هو قادرٌ على أن يجيء به من عجيب الأفعال وغريبها! فالواحد منا يظن أنه يعشق الحق فلا يحيد عن جادته قيد أنملة! والواحد منا يطالب الآخرين بإحقاق الحق والالتزام بما يقتضيه من حق ومستحَق حتى إذا ما طالبه غيره بأن يلزم هو نفسه الحق فلا يفارق عتبته، انبرى لهذا الغير بالتبرير والتعليل لهذا الذي هو عليه من إعراضٍ عن الحق ومجافاةٍ له! وإلا فكيف كان لعرب الجاهلية الأولى أن يعتمدوا قانونهم الشهير “أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً”؟! وإذا ما أنت سارعتَ إلى الاعتراض فقلتَ إن إنسان اليوم هو غير ما كانت عليه العرب في جاهليتهم الأولى، انتصاراً للحق وعملاً بما يقتضيه، فإنك جد واهم!
أنظر إلى الأب كيف يستقتل ويستميت في التبرير لما يقترفه إبنه من سيء الأعمال جرياً وراء الشهوات وتلذذاً بالموبقات! فما الذي يجعل من أفاضل الناس يسارعون إلى التماس الأعذار لأبنائهم إذا ما هم حادوا عن جادة الصواب؟ ولماذا هذه الاستماتة المقيتة في التسويغ لما تقوم به الذرية غير الصالحة من طالح الأعمال؟! وهذا أمرٌ لا يستثنى منه أحد من بني آدم، وذلك طالما كان هذا الأمر ذا صلة بما يفاخر به الناس من اشتمال واحدهم على هذه “الأبوة الطاغية” التي تجعل من الأب الصالح يدافع عن إبنه العاق حتى وهو مستيقن من أن ما يقوم به هذا الإبن من أعمال كانت لتجعل منه يسارع إلى ذمِّها بأقبح القول لو أنها كانت قد صدرت عن إبن جاره!
إن هذا ليُذكِّر بما جاءنا به القرآن العظيم من نبأ يقين عما جرى مباشرة بعدما تلاشى الطوفان الذي أهلك الله تعالى به السواد الأعظم من قوم سيدنا نوح عليه السلام. فها هو ذا سيدنا نوح عليه السلام يسارع إلى الاستغفار لابنه، وذلك بدعائه الله تعالى (رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ) (من 45 هود)، ففات سيدنا نوح بذلك أن ابنه كان من جملة مَن دعا هو عليه السلام الله تعالى أن يبيدهم عن بكرة أبيهم بقوله: (رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا. إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا) (من 26 -27 نوح).
فما الذي جعل سيدنا نوح عليه السلام يسارع إلى الاستغفار لابنه الذي كان واحداً من قومه الذين سبق وأن دعا الله تعالى أن يفنيهم ويهلكهم؟ هذا ما سأجيب عليه إن شاء الله تعالى في منشورٍ لاحق.
