بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
يتميز الإنسان بمقدرته الفذة على الانشغال بما يذكِّره بما هو عليه من بؤسٍ وشقاء وعناء! وهذه المقدرة الفذة على الإحساس بالشقاء، والمعاناة جراء هذا الشقاء، هي مما تحتم على ذرية آدم أن ترزح تحت ثقيل نَيره بسببٍ من الخروج من الجنة التي جاءنا من خبرها ما ذكرته سورة طه (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى. فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى). إذاً فالشقاء الإنساني علَّته لا علاقة لها بهذه الأرض، وذلك طالما كانت هذه العلة تضرب بجذورها عميقاً في ماضي الإنسان السحيق وصولاً إلى ما حدث في تلك الجنة التي أُسكنها أبواه وتحتَّم عليهما أن يُخرجا منها من بعد أكلهما من شجرتها التي نُهيا عنها. وتخطئ كل مقاربة لشقاء الإنسان تحاول أن تعلل له بالرجوع إلى أسبابٍ ذات صلة بواقعه الأرضي هذا. والإنسان لن يغادره شقاؤه هذا إلا إذا ما استعان عليه بما جاءه من عند الله تعالى دواءً إلهياً هو وحده الكفيل بإذهابه أدراج الرياح بإذن الله.
ولقد جاءنا قرآن الله العظيم بوصفة إلهية بمستطاعها أن تعيننا على التعامل مع شقائنا الآدمي هذا، وذلك بأن يعمل الواحد منا على أن يُرغم عقله على دوام تذكر أنعُم الله عليه، شكراً له تعالى عليها. ولذلك كان الشكر لله تعالى واحداً من أعظم العبادات التي بمقدورها أن تبدِّد شقاء الإنسان إذا ما هو واظب عليه. وشكر الله تعالى ليس من شِيَم النفس البشرية التي ديدنها نسيان الفضل وصاحبه بلمحٍ بالبصر! ولذلك قال الله تعالى: (وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) (34 إبراهيم)، (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) (18 النحل).
فالإنسان الذي يرفل في كل هذا العطاء الإلهي لا يشكر لله تعالى نِعمه وأنعمه ونعماءه عليه! وهذا الإعراض عن شكر الله تعالى سيجعل من الإنسان يزداد شقاءً على شقاء. ومهما حاول الإنسان أن يعلل لهذا “الشقاء المركب”، الذي يأبى أن يفارقه، فلن يستطيع إلى ذلك سبيلاً، وذلك طالما كان تعليله هذا يقتصر على أسباب هذا الواقع الذي لا يريد هذا الإنسان أن يصدِّق أنه أعجز عن أن يكون مصدر شقائه وعنائه. ومهما حاول الإنسان أن يبرر لشقائه بأنه عائد إلى عجزه عن الحصول على هذا أو ذاك من مفردات دنياه، فلن يكتب له التوفيق في ذلك، وذلك لأن علة شقائه لا علاقة لها من قريب أو بعيد بهذا الواقع ومفرداته. وحده الشكر لله تعالى قادرٌ على أن يجعل الإنسان سعيداً وذلك لأن الإنسان بهذا الشكر منه لله تعالى سيكون بمقدوره أن يعالج “علَّته الإنسانية” من جذورها الضاربة في القِدم إلى ذلك الزمان يوم كان أبواه يعيشان سعيدين في الجنة قبل أن يُخرجا منها.
