بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
يبالغ الكثيرون في تحميل ما جناه سيدنا آدم عليه السلام بأكله من الشجرة التي نُهي عنها، وذلك بالقول إن هذه الجناية لم تقتصر آثارها الضارة عليه وعلى ذريته من بعده ولكنها طالت بتأثيراتها هذه العالم الذي أصبح من بعد تلك الأكلة الآثمة عالماً آثماً بدوره تسوده الفوضى ويعمُّه الفساد! فالعالم قبل الأكل من الشجرة كان، وفقاً لهؤلاء، عالماً مثالياً يسوده النظام، فهو جنة عدنٍ بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، والفساد الذي أضحى عليه العالم، بعد أكل آدم من الثمرة المحرمة، قد طال العالم بصورة تلقائية إذ كانت تلك الأكلة المحرمة هي العلة من وراء ما أصاب العالم من فساد دون أن يكون للإنسان يدٌ فيه! وهذا أبعد ما يكون عن حقيقة ما حدث. فإذا كان العالم، قبل أكل آدم من الشجرة التي نُهي عنها، مثالياً كاملاً لا فوضى فيه ولا فساد، فإن ما حدث لهذا العالم، من بعد الأكل من الشجرة، ما هو إلا نتاج ما أخذت يد الإنسان تُحدث فيه من الفوضى والفساد جراء ما تضرر في الإنسان بسببٍ من تلك الأكلة الآثمة. ولنا في قرآن الله العظيم ما يبرهن على أن الفساد لم يظهر في العالم إلا بما كسبت أيدي الناس (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (41 الروم).
فالعالم قبل ظهور الإنسان كان عالماً طبيعياً منضبطاً بضوابط القوانين الإلهية ومحدداتها. وهذه القوانين جعلت من ذلك العالم يضجُّ بما يتعذر إحصاؤه من الآيات الدالة على أن وراء ما كان يسوده من خيرٍ ونظام هو الدليل على أن الله تعالى هو المتسبِّب فيهما. أما العالم من بعد ظهور الإنسان، فإن فيه من الفوضى والفساد ما يجعل الناظر إليه يرى فيهما الدليل والبرهان على أن المتسبب فيهما لا يمكن أن يكون إلا هذا الإنسان الملتاث بما جعل منه يفسد في الأرض ويسفك الدماء ويشيع فيها الفوضى واللانظام.
وبذلك يتبين لنا أن ما حدث للعالم من تضرر جسيم ليس سببه أكل سيدنا آدم عليه السلام من الشجرة التي نُهي عنها، ولكنه ما تسببت به تلك الأكلة الآثمة من إضرار بالإنسان جعل منه كائناً مفسداً في الأرض ينشر فيها الفوضى والفساد أينما حل وارتحل.
